فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 675

وروى ابن حبان في صحيحه وسنده حسن عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيئ رأيتيه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: يا عائشة! ذريني أتعبد لربي قالت: قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ثم تلا الآيات من آخر سورة آل عمران"إن في خلق السموات والأرض". [1]

وفي الحديث كما هو ظاهر واضح: بيان"فضل النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة خشيته، وخوفه من ربه، وإكثاره من عبادته، مع أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو المنتهى في الكمال البشري. ولا جرم في ذلك فهو سيد البشر صلى الله عليه وسلم".

وكل ورد البستان ورياحينه قد أخذت من ريحه صلى الله عليه وسلم مسًّا ومن طيبه عبقًا ومن أريجه مسكة فها هو عمر -رضي الله عنه- كما روى ذلك ابن حبان عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يَعِسَ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائمًا يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ:"والطور"حتى بلغ"إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع". فقال: قسم - ورب الكعبة - حق. فنزل عن حماره واستند إلى الحائط، فمكث مليًا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه.

وروى الإمام أبو عبيد في"فضائل القرآن": عن الحسن: أن عمر قرأ:"إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع"، فربا له ربوة عيد منها عشرين يومًا.

وهذا الأسود بن يزيد وهو من سادات التابعين روى عن عائشة وغيرها، ويقول عنه علقمة بن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم الأسود بن يزيد، كان مجتهدًا في العبادة يصوم حتى يخضر جسده ويصفر، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: راحة هذا الجسد أريد. فكان من أشد الناس خوفًا من الله: لما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: مالي لا أجزع ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله -عز وجل- لهمني الحياء منه مما قد صنعته. إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، فلا يزال مستحييًا منه.

(1) أخرجه ابن حبان 622، والأصبهاني كما في الترغيب والترهيب برقم (666) ، وأبو الشيخ ابن حبان في"أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" (200 - 201) وانظر:"الصحيحة"1/ 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت