والدخول فيها، فلا يطمع في ثمرة بدون أن يقدم أسبابها ولا يرجو نتيجة ما بدون أن يضع مقدمتها، غير أن موضوع إثمار تلك الأسباب، وإنتاج تلك المقدمات يفوضه إلى الله -سبحانه وتعالى- إذ هو القادر عليه دون سواه. فالتوكل عند المسلم إذًا هو عمل وأمل، مع هدوء قلب وطمأنينة نفس، واعتقاد جازم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،"وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا". [1]
إن قعود قوم بدون عمل زاعمين أنهم متوكلون على الله معتقدين أن هذا هو التوكل الذي شرعه الإسلام إن هذه لأغلوطة كبرى في حق الإسلام، لا يحاسب الإسلام أبدًا عنها إنما يحاسب من أخطأ فهمها عن الإسلام، وقد قال سيد المتوكلين على الله تعالى فيما روى الترمذي وسنده حسن من حديث أنس لما قال رجل يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل (لأنه قد ترك الناقة سائبة) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل". [2] "
فالتوكل عمل وعقيدة وليست كلمة خفيفة ترددها الألسنة الطويلة وتعجز عن تحقيقها الأيدي القصيرة، رأى عمر بن الخطاب في رحلة الحج أناسًا لا زاد لهم ولا راحلة فقال من أنتم؟ قالوا نحن المتوكلون على الله، فقال عمر يصحح لهم الفهم: بل أنتم المتوكلون على القافلة ثم قال قولته الخالدة:"إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة".
أيها الإخوة! ولقد"كان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرًا .... فكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو بنفسه فيها وربما كفيها فرعيت له وكان يحلب للحي أغنامهم ومن نوادر ذلك أنه لما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي (الآن لا تحلب لنا منائح دارنا) فسمعها أبو بكر فقال: (بلى لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه من خلق كنت عليه) فكان يحلب لهم"فلما استُخلف أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقالا: (انطلق معنا حتى نفرض لك شيئًا. فانطلق معهما.
إن للمتوكلين على الله حالًا، يقص صاحب نزهة المجالس ومنتخب النفائس علينا قصة وكذا ذكرها النيسابوري في التفسير: عن طاووس اليماني التابعي قال: جاء أعرابي إلى باب المسجد الحرام فنزل عن ناقته وعقلها وقال: يا رب هي في ضمانك ودخل فصلى صلاة كاملة ودعا دعاء حسنا فلما خرج من حرم الكعبة لم يجد الناقة فقال بفطرته وسجيته: يا رب أديت أمانتك فأين أمانتي؟ يا رب إنه ما سرق إلا منك، فلم يمكث حتى جاء رجل نازل من جبل
(1) منهاج المسلم 171، 172، المكتبة القيمة.
(2) أخرجه الترمذي (2517) ، والبيهقي في"شعب الإيمان" (2/ 80) ، وحسنه الألباني في"صحيح الجامع" (1068) .