أبي قبيس فنظرنا فإذا هو قد قطعت يده وهو يقود الناقة فتعجبنا من ذلك قال طاووس: فسألناه ما سبب ذلك قال جاءني رجل على فرس أشهب فقطع يدي وقال لي: رد الناقة على ولي الله. [1]
ولما حج هشام بن عبد الملك دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال له: يا سالم! سلني حاجة، فقال: إني لأستحي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج سالم خرج هشام في أثره فقال له: الآن قد خرجت من بيت الله فسلني حاجة، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، فقال سالم: إني ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟
وهذا التوكل -أيها الإخوة- إنما يظهر ويتضح بجلاء ويقوي القلب على جمعه واحتوائه إذا أنزله العبد منزلته ولم يره أمرًا دون ما جعل الله له من المكانة والمنزلة فما منزلة التوكل على الله تعالى؟ ما هي رؤية الإسلام له في المكانة والفضل والتي ينبغي أن يراها له المسلم؟
ولنتأمل لمعرفة ذلك آيات من القرآن العظيم: قال الله تعالى:"وعلى الله فليتوكل المؤمنون"وقال تعالى:"وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين"وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) [الأنفال: 2 - 5] .
أرأيت أيها الحبيب إلى ذلك الارتباط الذي يربط به القرآن الكريم بين التوكل والإيمان وهذا معناه أن التوكل من الإيمان بل صريح الآية:"وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) [المائدة: 23] يقتضي أن يكون التوكل شرطًا في الإيمان إذا وجد التوكل فتم الإيمان وإذا ذهب التوكل ذهب الإيمان، وأيضًا إشارة إلى أن الإيمان يوجد على قدر وجوده ولذا فالمسلم لا يرى التوكل على الله تعالى في جميع أعماله واجبًا خلقيًا فحسب بل يراه فريضة دينية ويعده عقيدة إسلامية وهذا من منطلق فهمه لهذه الأوامر الربانية ولهذا كان التوكل المطلق والتسليم التام لله -سبحانه وتعالى- جزءًا من عقيدة المؤمن بالله تعالى: فلابد للمؤمن من تمحيض التوكل وتجريد الاعتماد على الله ولذا قال تعالى:"ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور"والعروة الوثقى هي لا إله إلا الله، وما مكانة لا إله إلا الله في الإسلام؟ ألم أقل لحضراتكم إن التوكل عقيدة واجبة وفريضة لازمة."
ولهذا لا ينبغي أبدًا أن يتصرف الإنسان فيها هكذا سبهللًا يصرفها إلى من يشاء ويصرفها عمن يشاء بل لابد من ضبطها بالضوابط الشرعية وقياسها بالموازين الربانية والنبوية فيعرف الإنسان على من يعتمد وفي أي شيء؟
وهذا هو جواب السؤال: ما هي أقسام التوكل؟
(1) نزهة المجالس ومنتخب النفائس - (ص / 224) ، تفسير النيسابوري - (1/ 44) .