أيها الإخوة الاعتماد على المخلوق فيما يقدر عليه وهو ما يعرف بالاعتماد على الأسباب شيء والاعتماد على المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق شيء آخر، والاعتماد على المخلوق فيما يقدر عليه مع حفظ القلب من الالتفات عن الله شيء ثالث.
فهذه ثلاث بينها بون شاسع وفرق كبير، فالاعتماد على المخلوق فيما يقدر عليه أي من الأحياء الحاضرين القادرين فيما يقدرون عليه من الأمور مع العلم واليقين والاعتقاد الجازم بأنه لا يأتي بالنفع والضر إلا الله وأنهم ما هم إلا سبب فهذا جائز ومن أدلته حديث الأعمى والأقرع والأبرص فقد كان الملك يقول فيما يقول:"وليس لي بلاغ إلا بالله تعالى ثم بك".
ولذا نقول: اعتمدت على الله ثم عليك في هذا الأمر، توكلت على الله ثم عليك في هذا، فوضت هذا الأمر إلى الله ثم إليك وهكذا بلا نكير، فهذا جائز لكن دون أن يلتفت القلب إلى العبد أو السبب وينسي مسبب الأسباب سبحانه وأنه هو النافع الضار في الأمر كله فهذا حرام، انتبه أيها الغالي! أما من اعتمد على المخلوق فيما يستطيعه ويقدر عليه دون التفات إلى كون النفع والضر كله بيد الله تعالى فهذا أشرك شركًا أصغر، وهو حرام نعم لأنه اعتماد وتوكل على الأسباب الظاهرة دون الاعتماد على مسبب الأسباب -سبحانه وتعالى-.
وهذا كأن"يعتمد العبد على الطبيب لحصول الشفاء فيعالج عند طبيب معين لمهارته مع الثقة بالشفاء في يديه أو كالاعتماد على كثرة الجيش وقوته لحصول النصر أو الاعتماد على الوظيفة في الحصول على الرزق، وعلى مهارة السائق في السلامة"وهكذا، آه فالأمر جد خطير ليس باليسير، فتش في قلبك أيها الحبيب فتش في قلبك ما الذي بداخله؟ هل بداخله الاعتماد على الله تعالى وحده والتوكل عليه دون سواه؟ أم هو الاعتماد على شيء آخر لا ينفعك ولا يضرك من ناحية ما ترجو ولكن يضرك من حيث عقيدتك فيفسدها عليك ويضعف إيمانك بالله، فيجب على كل أخ وأخت من الآن أن يفتش عن قلبه.
وقد قال تعالى:"وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين"فهذا أمر منه سبحانه بأسلوب الحصر أن يتوكل المؤمنون عليه وحده ولا يتوكلوا على غيره فيخالفون بذلك الإيمان الواجب عليهم. [1]
(1) قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: والتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توكل عبادة وخضوع، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر، فيعتمد عليه اعتمادًا كاملًا، مع شعوره بافتقاره إليه، فهذا يجب إخلاصه لله تعالى، ومن صرفه لغير الله، فهو مشركًا أكبر، كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين، وهذا لا يكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًا في الكون، فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار.
الثاني: الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك، وهذا من الشرك الأصغر، وقال بعضهم: من الشرك الخفي، مثل اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصول رزقه، ولهذا تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر، فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب، بل جعله فوق السبب.
الثالث: أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصًا في بيع شيء أو شرائه، وهذا لا شيء فيه، لأنه أعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا فوقه، لأنه جعله نائبًا عنه، وقد وكل النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابن أبي طالب أن يذبح ما بقي من هديه، ووكل أبا هريرة على الصدقة، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له شاة، وهذا بخلاف القسم الثاني، لأنه يشعر بالحاجة إلى ذلك، ويرى اعتماده علي المتوكَّل عليه اعتماد افتقار، القول المفيد (2/ 29) .