"تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا" [سورة السجدة: 16]
فالله يقول عن أنبيائه: إنهم كانوا يدعونه -سبحانه وتعالى- راغبين في ثوابه خائفين من عقابه، ويصف الذين يقومون في الليل بين يديه بهذا الوصف يدعون ربهم خوفًا وطمعًا. والرسول (قال هذا للأعرابي الذي جاءه وقال له يا رسول الله إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار ولا أحسن دندنتك ولا دندنة"معاذ بن جبل"فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"حولها ندندن" [1] (يعني حول الجنة والنار) فإذا كان الرسول (يدندن حول الجنة والنار) فهل نصدق من يقول: إن عبادة من سأل الله الجنة واستعاذ به من النار هي عبادة التجار؟ كذبوا والله، بل هي عبادة سيد الأبرار الأخيار الأطهار.
يقول بعض العلماء: إن فئامًا من المسلمين إلى اليوم قد صدقوا بعض الجهال في خرافتهم وتزييفهم للحقائق من الذين يزعمون أنهم لا يعبدون الله خوف ناره فهذه في زعمهم عبادة العبيد، ولا من أجل جنته فهذه عبادة التجار، وإنما عشقوه لذاته، ولم تندفع هذه الفئام في تصديق هذا الهراء إلا لأنهم في سبات روحي عميق، وإلا فالخشية من ذي الجلال والرغبة فيما عنده من عليا مراتب الإيمان بل من شأن الرسل العظام، اقرأ إن شئت قوله تعالى في حق زكريا عليه السلام وأهل بيته:"إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا.". ثم قال جل شأنه بعدها:"وكانوا لنا خاشعين".
وكعادتهم ينسبون الكلام المعسول لفظًا المسموم معنى إلى المشاهير كي يدخل على ضعاف العقول من المسلمين كما نسبوا لعلى ما قدمنا وكما ينسبون لرابعة أنها قالت: اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك لذاتك فلا تحرمني لذة قربك.
وينشدون عنها أنها كانت تقول:
أحبك حبين حب الهوى ... وحبًا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى ... فذكر شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ونسبوا لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه كان يقول: إن قومًا عبدوا الله -عز وجل- رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وقومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار.
(1) أخرجه أبو داود 792 وابن ماجه 910، وصححه الألباني في، صحيح أبي داود (757) .