وهذا لا يصح عن رابعة ولا عن علي بن الحسين وهما منه براء، فلنحذر من ذلك كله أحبتي ولنكن على ما كان عليه النبي وسلفنا الصالح فهي الوسطية كما قدمنا: عيش لا يأمن فيه المسلم مكر الله ولا ييأس فيه من روح الله، والسؤال الآن أيها الإخوة:
ما هو المكر؟ وما معنى الأمن من مكر الله؟ وهل يصح وصف الله -عز وجل- بهذا الوصف؟ وما هي أسباب الأمن من مكر الله؟ وما خطره وما عاقبته؟
ثم ما هو القنوط من روح الله؟ وما حكمه؟ وما هي أسباب اليأس والقنوط؟ وما هو علاج اليأس والقنوط والمكر جميعًا؟
أيها الإخوة! الأمن من مكر الله معناه: اطمئنان القلب بعدم عقوبة الله وعدم مراقبته والغفلة عنها والعبد مع هذا مقيم على معاصي الله ومساخطه فلا يحذر الله فيما هو عليه ولا يخافه فكأنه شك أو أنكر اسم القهار.
وهذا خلاف حال أهل السلامة فإن الطمأنينة من مكر الله واستدراجه لعباده يخالف كمال التوحيد الواجب ويورث المهالك، بل يجب على العبد أن يكون خائفًا من الله كما يرجوه وهذا هو حال الأنبياء والصالحين كما ذكرنا قبل قليل راغبين راهبين، إن نظر العبد إلى ذنوبه وعدل الله وشدة عقابه خاف ربه، وإن نظر إلى عفوه الشامل رجا وطمع، وإن ابتلى بمعصية رجا من ربه قبول توبته ومحوها وخشى عقابه، وعند المكاره والمصائب يرجو من الله دفعها وينتظر من الله الفرج بحلها.
وقد كان خير هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - وهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه الحال فهذا الصديق يسمع قول الله -عز وجل-:"من يعمل سوءًا يجز به". فيقول: لو حاسبني ربي على كل ذنب لهلكت ويبكي وهو الذي يحفظ الناس أيضا قوله: لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدماي في الجنة فقد كان آدم وحواء وإبليس فيها فخرجوا، وكان يقول:"يا ليتني شعرة في صدر رجل مؤمن"مع أنه صاحب المناقب التي لا يحصيها محص ولا يعدها عادّ. وهذا الفاروق -رضي الله عنه- لما حضرته الوفاة كان ابنه عبد الله يضع رجله تحت رأسه فكان إذا أفاق قال:"يا بني ضع رأسي بالأرض"فيقول عبد الله: يا أبت وهل رجلي والأرض إلا سواء؟ فيقول: ضع رأسي بالأرض لا أم لك، عسى الله أن ينظر إليّ نظرة فيرحمني"ثم يقول:"ويل عمر إن لم يغفر الله له، وكان يقول: وددت أني أخرج منها كفافًا لا لي ولا علي والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول يوم المطلع"."
مع أنه صاحب المناقب التي لا يحصيها محص ولا يعدها عاد.