فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 675

وهذا عثمان -رضي الله عنه- كان إذا ذكر القبر يبكي حتى يبل لحيته فسئل في ذلك فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه. والحديث أخرجه ابن ماجة وسنده حسن في صحيح ابن ماجة. [1] يقول عثمان هذا مع أنه صاحب المناقب التي لا يحصيها محص ولا يعدها عادّ.

وغيرهم وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بل كذلك كانوا كلهم، ومن بعدهم سلفنا الصالحون من التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الناس هذا. هذا هو حال الايمان الذى مدحهم الله لأجله ونالوا به رضا الله كما قال الله تعالى"إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يوتون ما أتوا وقلوبهم وجلة انهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون".

روى الترمذي عن عائشة رضى الله عنها قالت: سألت رسول الله عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال:"لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات" [2]

ومن تأمل آيات وأحاديث الشريعة وجد أن الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم قد وصفا أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصفا الأشقياء بالإساءة مع الأمن

يقول ابن القيم -رحمه الله-: ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن.

فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، وكان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد، وكان يبكى كثيرًا ويقول: ابكوا فان لم تبكوا فتباكوا، وكان اذا قام الى الصلاة كأنه عود من خشية الله -عز وجل-، وأتي بطائر فصار يقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولا قطعت من شجرة الا بما ضيعت من التسبيح، ولما احتضر قال لعائشة: يا بنية إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة وهذه الحلاب وهذا العبد فأسرعى به إلى ابن الخطاب وقد كانت أعطيت له بحكم مجلس شورى المسلمين برئاسة عمر ليستعين بها على الخلافة، قال: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد، وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب.

وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ قوله:"إن عذاب ربك لواقع"فبكى واشتد بكاؤه حتي مرض وعادوه، وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عل أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر الله لي، ثلاثا، ثم قضى، وكان يمر بالآية في ورده بالليلفتخنقه العبارات فيبقى في البيت أيامًا ويعاد ويحسبونه مريضًا وكان

(1) أخرجه ابن ماجه 4267، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، تخريج المختارة (366 - 367) .

(2) أخرجه الترمذي 3175، وابن ماجة 4198، وصححه الألباني في الصحيحة 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت