القسم الثاني: صبر عن المحظور وهو الصبر عن المعصية والذنوب والسيئات فيحجز العبد نفسه الأمارة بالسوء عن ارتكاب المعصية ولا يسارع إليها أول ما تدعوه بل يجاهدها ويجاهد شيطانها وهذا إنما يتأتي بالصبر.
القسم الثالث: هو الصبر على المقدور وهو الصبر على أقدار الله مما يصيب الله به عباده من الأمراض والأوجاع وجميع المصائب وهذا هو محك الإيمان ومختبر الإسلام والاستسلام والإيقان، ولذلك جاء الفضل فيه في القرآن العظيم وسنة النبي الكريم كثيرًا جدًّا وحثت عليه الآيات والأحاديث والآثار عن السلف وسارع فيه المتنافسون وفاز في دربه المتسابقون وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء: فضل الصبر ومكانته.
أيها الإخوة .. ذكر الله تعالى الصبر في القرآن الكريم في تسعين موضعًا وكفى بهذا شرفًا و فضلًا للصبر وأهله وحسبك بذلك حثًا عليه وترغيبًا فيه، ولا نستطيع في مقامنا هذا أن نشير إلى جميع هذه المواضع لكن بحسبنا أن نومئ إلى بعضها فمن ذلك قوله تعالى آمرًا بالصبر حاثًا عليه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) [آل عمران: 200]
وقال -عز وجل- معلنًا أن الصبر من شيم طلاب المعالي:"ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور".
وقال -عز وجل- يعلن عن شرف صحبة الصابرين وذلك لشرف معيته لهم سبحانه:"إن الله مع الصابرين".
وقال -عز وجل- يكشف عن عظيم أجرهم لديه:"إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب". وقال:"وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) [البقرة: 155 - 158] ."
هذه بعض آيات القرآن العظيم في بيان مكانة الصبر وفضل الصابرين، وقد أفاضت السنة المطهرة كذلك في الحث على الصبر والترغيب فيه والتعريف بفضل الصابرين والكشف عن علو درجاتهم.
روى مسلم من حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء". [1]
الله! أرأيت إلى هذا التعبير:"والصبر ضياء"، قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-: والصبر ضياء: يضيء للإنسان عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات يهدي صاحبه إلى الحق، ولهذا أمر الله -عز وجل- بالاستعانة بالصبرفقال:
(1) أخرجه مسلم 556.