وفي الحديث الذي أخرجه البزار بسند صحيح من حديث الضحاك بن قيس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك بي أحدا فهو لشريكي! يا أيها الناس! أخلصوا الأعمال لله، فإن الله -عز وجل- لا يقبل من العمل إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم فإنه للرحم وليس لله منه شيء! ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم، وليس لله منه شيء". [1] "
ومن أجمل ما قاله الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- يوضح أهمية الإخلاص وخطر الشرك: إن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يُطاع فلا يعصى هيبةً له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاءً وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاء له، وهذا لا يصح إلا لله - -عز وجل- - فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك.
وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله، أو خوفه أو رجائه أو التوكل على غير الله، والاعتماد عليه. [2]
فمن أراد سعادة الدنيا والآخرة، وهناءتهما فليلزم الإخلاص إلى آخر الأنفاس وليبتعد قدر الإمكان عن مراءاة الناس فمن فعل فقد سعد روى البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: قيل: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال - صلى الله عليه وسلم:"ما كنت أظن أن أحدًا يسبقك إلى هذا السؤال لما علمت من حرصك على الحديث، يا أبا هريرة! أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" [3] وهكذا تبلغ النية بأصحابها بل إن الفقير المعدم الذى لا يملك شيئًا يكون بالنية الصالحة مع حسن العمل المتيسر له ملكًا متوجًا يرث ما يرثه خير الناس من أصحاب الأموال التي تمكنهم من أفضل الأعمال ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:""إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِى مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِى مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلاَ عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِى مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ». [4]
(1) أخرجه البزار (3567) والبيهقي في"الشعب" (2/ 320 / 2) ، وهو في الصحيحة (6/ 267) ، 2764.
(2) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، (ص 23، 24) .
(3) أخرجه البخاري (6570) .
(4) أخرجه الترمذي 2325، وابن ماجه (4228) ، وصححه الألباني فيهما، وانظر صحيح الجامع 3024.