فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 675

فانظر كيف تصنع النية الخالصة لله تعالى ترجو ثوابه وتخشى عقابه، أما من أسلم نيته إلى الناس يستمطر ثناءهم ويستجر مدحهم ويتسول محمدتهم فهذا باء بخسارة دونها كل خسارة تتحمل وكلكم أحبتي يعرف حديث الأشقياء الثلاثة المجاهد في سبيل الله الشهيد، وقارئ القرآن وعالمه، والمنفق في سبيل الله الكريم الجواد، ماذا، أشقياء؟ أشقياء وهم بهذا الاسم والوصف؟! نعم، وما مصدر شقائهم يا ترى، إنه ليس في عدم إجادتهم لما قاموا به من أعمال أو سوء اختيارهم للعمل الفاضل من بين الأعمال ولكنه الاشتغال بالعمل لاستجلاب مدح الناس ومراءاتهم وإظهار الأعمال رياء وتسميعًا والانصراف عن الله وإرادة وجهه ورضاه، ولذلك كان الجزاء من جنس العمل راءوا فراءى الله بهم في الآخرة وسمعوا فسمع الله بهم على رءوس الأشهاد يوم يحشر العباد وأختار أن أسرد الحديث على مسامع حضراتكم من رواية الترمذي وابن حبان من حديث شفى الأصبحي ففيها تفصيل ربما نسمعه لأول مرة وفيها عظة وعبرة عملية وقدوة حسنة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحرص على الإخلاص والخوف من الرياء والحديث صححه الألباني وهو أن شفيًّا الأصبحي دخل المدينة مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا قالوا أبو هريرة قال فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له أسألك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقلته وعلمته فقال أبو هريرة أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكثنا قليلا ثم أفاق فقال لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى ثم أفاق ومسح عن وجهه فقال أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة ثم مال خارا على وجهه فأسندته طويلا ثم أفاق فقال حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله -تبارك وتعالى- إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله -عز وجل- للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فما عملت فيما علمت قال كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الله -عز وجل- له كذبت وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله -تبارك وتعالى- بل أردت أن يقال فلان قارئ وقد قيل ذلك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله -عز وجل- ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله -تبارك وتعالى- بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له في ماذا قتلت فيقول أي رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة قال الوليد أبو عثمان المديني وأخبرني عقبة أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا قال أبو عثمان وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية قال فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة فقال معاوية قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس ثم بكى معاوية بكاء شديدا حتى ظننا أنه هالك وقلنا قد جاء هذا الرجل بشر ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال صدق الله ورسوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت