فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 675

هذه الصفات العظيمة هي تحقيق التوحيد -أيها الإخوة- ولذلك أثنى الله على من حققها ومدحهم بها.

وفي الصحيحين [1] عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة [يسأل سعيد الجالسين عنده من منكم رأى الشهاب الذي سقط الليلة الماضية"، قال حصين: قلت: أنا، يعني أنا رأيت الشهاب، فدل هذا على أن هذا الرجل لم ينم بل كان ساهرًا، ثم إنه خشي على نفسه من الرياء وأن يمدح بما ليس فيه ويحمد بما لم يفعل فاستدرك وقال:"أما إني لم أكن في صلاة"يعني لا تظنوا أني سهرت أتهجد، وهذا من ورع السلف رحمهم الله وابتعادهم عن الرياء وتزكية النفس لأن هذا ينافي الإخلاص، فهو خشي أن يمدح بما لم يفعل، ثم قال:"ولكني لدغت"، يعني السبب في كوني كنت مستيقظًا وقت نزول الشهاب أنني لدغت يعني أصابته عقرب أو نحوها بسمها."

فقال له سعيد: فما صنعت؟ قال: ارتقيت، يعني طلبت من يرقيني أي من يقرأ على شيئا من القرآن وهذا من أنفع الأدوية، لأن الله -تعالى- أنزل القرآن شفاء لكل الأمراض الحسية والمعنوية، قال -تعالى-:"وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا"لكن ذلك مشروط باليقين أن تكون الرقية عن يقين من الراقي ويقين من المَرْقِيّ.

فلما سمع سعيد من حصين أنه ارتقى قال:"فما حملك على ما صنعت"يعني ما الذى دفعك إلى ذلك ما هو الدليل من الكتاب أو السنة على صحة ما فعلت فقد كانوا يتعبدون الله، لا يتعبدونه إلا بالوحي، فتنبه يا عبد الله ولا تُقْدِم على فعل شيء إلا بعد التأكد من جوازه شرعًا خصوصًا في أمر العلاج، لأن النفوس تتشبث بأي شيء لطلب الشفاء حتى ولو كان غير مشروع، فسعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ خشي من هذا الأمر على صاحبه حصين بن عبد الرحمن وهو عالم فقيه تابعي جليل، فيا لله ماذا نقول نحن للذين يذهبون إلى المشعوذين والدجالين والسحرة والكذبة؟ هذا محرم يا عباد الله وقد يكون شركًا أكبر يُخرج صاحبه من الملة إذا ذبح لغير الله، أو دعا غير الله كولي أو غيره، أو استغاث بالأولياء أو بالجن والشياطين فإنه يخرج من الملة، ولو فرضنا أنه شفي ماذا ينفعه إذا ذهبت عقيدته وصح جسمه، هذا أمر وباب شر خطير جدًّا يجب التحرز منه.

فلما سأل سعيد حصينًا عن الدليل على ما فعله أجابه حصين بن عبد الرحمن عن دليله قائلًا: حديث حدثنيه الشعبي قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا رقية إلا من عين أو حُمَة"يعني لا رقية أنفع وأشفى إلا لمن أصابه عين بسبب الحسد الذي يكون في بعض الناس إذا نظر إلى الأشياء أصيبت على أثر نظرته، لأن نظره مسموم، وهذا من عجائب خلق الله وقدرته أنه يجعل بعض الأنظار مسمومة، والعين حق، لا كما يظن بعض الناس أن الحسد من الخرافات!! كيف ذلك وقد ذكره الله في القرآن فقال:

(1) أخرجه البخاري (5752، 3410، 5705، 6541، 6472) ، ومسلم (220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت