"وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5] "وذكره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في السنة فقال عليه الصلاة والسلام:"العين حق، ولو أن شيئًا سبق القدر لسبقته العين"، فمن علاج العين الذي وضعه الشرع الرقيةُ بأن يُقرأ على المصاب: الفاتحة والمعوذتان فالرقية تنفع من العين والحسد.
وكذلك تنفع من الحُمَة"لا رقية إلا من عين أو حُمَة"و الحمة هي اللدغة كما حدث لصاحب هذه القصة وهو محل الشاهد الذي لأجله ساق الحديث"لا رقية إلا من عين أو حمة"ومعنى الحديث: أنها تنفع في هذين النوعين نفعًا مؤكدًا وليس المقصود حصر النفع في هذين الشيئين فقط أو أنها ـ والله أعلم ـ مثال لنوعيهما فالعين من نوع الأمراض المعنوية والحمة أي اللدغة من نوع الأمراض الحسية فيكون معنى ذلك أن الرقية تشفي من الأمراض كلها، ولما أتى حصين بن عبد الرحمن بالدليل على ما فعل قال له سعيد بن جبيرٍ ـ يثني عليه ويمدحه لأجل ذلك ـ:"قد أحسن من انتهى إلى ما سمع"يقول: جزاك الله خيرًا أنك فعلت ما فعلت بدليل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا من أدبهم مع حديث رسول الله ثم رأى سعيد بن جبير أن يفيد حصينًا بفائدة عظيمة أعظم من التي فعلها وأفضل،: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن أي: ولكن هناك ما هو أحسن فإن كنت فعلت الحسن فهناك ما هو أحسن، فأراد أن يرقيه من الحسن إلى الأحسن، قال:"ولكن حدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"عُرِضَت علىّ الأممُ أي أري النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمم السابقة وهذه معجزة من معجزات المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وقد صح في سنن الترمذي أن هذا العرض كان ليلة الإسراء والمعراج [1] فلما نظر النبي إلى الأمم تمر عليه يقول المصطفى:"فرأيت النبي ومعه الرَّهْط"يعني العدد القليل الذي يقل عن عشرة أفراد وفي رواية"ومعه الرُّهَيْط"، يعني أقل من عشرة ضرورة، -أيها الإخوة-! لم يتبع ذلك النبي من أمته إلا دون العشرة وبقية الأمة كفروا به،"وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ بل"اسمعوا يقول المصطفى:"فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد"يؤمن بنبي أقل من عشرة وربما رجلان أو رجل أو لا يؤمن به أحد من أمته على الإطلاق، ولا يدخل الجنة من أمته أحد، لأنه ليس فيهم موحد، فيدخل ذلك النبي الجنة وحيدًا فريدًا ليس معه أحد، نسأل الله أن يحفظ علينا توحيدنا.
ولهذا -أيها الإخوة- لا ينبغي لنا على الإطلاق أن نحتج بكثرة أهل الباطل على أهل الحق لأنهم قلة، وكذلك لا يصح للبعض أن يحتج بموقف هؤلاء الأنبياء الذين لم يتبعهم أحد بأنهم على الحق لأنهم مثلهم في قلة، بل الحق والصواب أن ننظر فيما نحن عليه فإذا كنا على الكتاب الكريم وعلى السنة المطهرة وكنا على منهج الصحابة والسلف الصالح عليهم رضوان الله فلا تغرنا كثرة ولا تضرنا قلة.
(1) أخرجه الترمذي (2446) وصححه الألباني في صحيحه، وانظر: فتح الباري (18/ 389) .