قال بعض السلف:"اسلك سبيل الحق ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق أهل الضلال ولا يغرنك كثرة الهالكين"، أسأل الله لي ولكم السلامة من كل سوء.
-أيها الإخوة- وبينما النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا المشهد العجيب والمنظر المبهر المهيب نظر فرأى موقفًا طيبًا تمناه في نفسه لأمته، يقول -صلى الله عليه وسلم-:"إذ رفع لي سواد عظيم"- أي خلق كثير- فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"الموقف موقف القيامة واليوم يوم الحساب فالخلائق تحاسب، منهم من يحاسب حسابًا يسيرًا ومنهم من يحاسب حسابًا شاقًا عسيرًا، ومنهم من يقرر بأعماله وهم الكفار على الراجح من أقوال أهل العلم يقررون بكفرهم ثم يؤمر بهم إلى النار، الموقف أهوال عظام وشدائد صعاب، وفي هذا الموقف الرهيب المهيب ينادى على طائفة من الموحدين من أمة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ليدخلوا الجنة بغير حساب، فمن هؤلاء يا ترى."
قف أخي الحبيب معي وقفة قصيرة لتتساءل معي أولًا: كم عدد هذه الطائفة؟ قد ذكر الحديث الذي معنا أنهم سبعون ألفًا
قَالَ الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح [1] : وَقَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيث أُخْرَى أَنَّ مَعَ السَّبْعِينَ أَلْفًا زِيَادَة عَلَيْهِمْ، فَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"سَأَلْت رَبِّي فَوَعَدَنِي أَنْ يُدْخِل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي"فَذَكَرَ الْحَدِيث وقال:"فَاسْتَزَدْت فَزَادَنِي مَعَ كُلّ أَلْف سَبْعِينَ أَلْفًا"وَسَنَده جَيِّد، قال الحافظ: وَجَاءَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى أكثر مِنْ ذَلِكَ: فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ"وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلّ أَلْف سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَاب عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَاب، وَثَلَاث حَثَيَات مِنْ حَثَيَات رَبِّي"، وَفِي صَحِيح اِبْن حِبَّان أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّد مِنْ حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد نَحْوه بِلَفْظِ"ثُمَّ يَشْفَع كُلّ أَلْف فِي سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ يُحْثِي رَبِّي ثَلَاث حَثَيَات بِكَفَّيْهِ"وَفِيهِ:"فَكَبَّرَ عُمَر أي قال عمر: الله أكبر، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يُشَفِّعُهُمْ اللَّه فِي آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتهمْ وَعَشَائِرهمْ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُون أَدْنَى أُمَّتِي الْحَثَيَات"وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ:"قَالَ قَيْس فَقُلْت لِأَبِي سَعِيد: سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَذَلِكَ يَسْتَوْعِب مُهَاجِرِي أُمَّتِي وَيُوَفِّي اللَّه بَقِيَّتَهُمْ مِنْ أَعْرَابِنَا"وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أَبِي عَاصِم قَالَ أَبُو سَعِيد"فَحَسَبْنَا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَلَغَ أَرْبَعَة آلَاف أَلْف وَتِسْعَمِائَةِ أَلْف"يَعْنِي مَنْ عَدَا الْحَثَيَات وَقَدْ وَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوب نَحْو حَدِيث عُتْبَةَ بْن عَبْد وَزَادَ"وَالْخَبِيئَة - بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهَمْزَة وَزْن عَظِيمَة - عِنْد رَبِّي"أي ـ والله أعلم لا يزال لدي الأمل في أن ما يخبئه الله لي من الكرامة كثير وعظيم.
(1) فتح الباري (18/ 389) .