فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 675

ولا نقول هذا هروبًا من الإقرار بأن للحدود في الشريعة منزلتها ومكانتها، فإن الحدود كما شرعها الإسلام هي السياج الحارس للمحارم، وهي الإعلان الناطق بأن المجتمع المسلم يرفض جرائم معينة، ولا يسمح بها بحال من الأحوال.

والحدود - كما شرعها الإسلام - ليست بالبشاعة التي يتصورها بعض الناس أو يصورها المبشرون والمستشرقون ومن يركب مركبهم وينهج منهجهم، من علمانيينا ومتغربينا من المتنكرين لدينهم المنسلخين من زي قومهم إلى عباءة أعدائهم العفنة القذرة.

ولقد صار هنالك انتشار لهذا الفهم الخاطئ الذي نشأ لأجل هذا التبشيع الناشئ أصالة عن نظرة خاطئة انتقلت إلى بني قومنا تبعًا لنظرة الغربيين لعقوبات الحدود، والغربيون يستبشعون هذه العقوبات لسببين:

-أنه لم تكتمل بعد نشأة شعوره الخلقي، فهو بينما كان يعد الزنا من قبل عيبًا وهجنة إذ به الآن لا يعتبره إلا لعبًا وسلوة، يعلل به شخصان نفسيهما ساعة من الزمن! ولكنه إذا ارتقى شعوره الخلقي والاجتماعي وعلم أن الزنا سواء كان بالرضا أو بالإكراه، وكان بامرأة متزوجة أو باكرة، جريمة اجتماعية في كل حال تعود مضارها على المجتمع بأسره

-أن حضارة الغرب قد قامت على إعانة (الفرد) على (الجماعة) وتركبت عناصرها بتصور مغلو فيه للحقوق الفردية، لذلك مهما كان من ظلم الفرد واعتدائه على المجموع، فلا ينكره أهل الغرب، بل يحتملونه غالبًا بطيبة نفس، ولكنه كلما امتدت إلى الفرد يد القانون حفظًا لحقوق الجماعة، اقشعرت منه جلودهم خوفًا وفزعًا، وأصبح كل نصحهم وتحمسهم بحق الفرد دون الجماعة.

إن الإسلام يشدد في إثبات الجريمة تشديدًا غير عادي، وخصوصًا في جريمة الزنا، ومن ثم إذا ثبتت لا يتهاون في إنزال العقوبة المقررة على فاعلها وحكمته في ذلك ما أوضحنا وهي حكمة لا تقوم لها تعليلات الغرب في المأخذ عليها ولعل هذا يطمئن القلوب الفزعة والنفوس الهلعة إلى تشريع الحكيم الخبير إن كان لايزال فيهم بعض عقل يسوقهم إلى الحق بتفكيرهم من غير تبعية لغيرهم.

إن المطالبة بتطبيق الشريعة لا يختص بالحدود وحدها ولكنه نداء لتطبيق الشريعة جمعاء في كل شئون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومنها كفاية الناس من الإفلاس بحمل ضعيفهم وإعانة محتاجهم وسد حاجة فقيرهم وكفاية معوزهم، كل ذلك قبل أن ينظر في عقوبة فلا قطع يد ولا جلد ظهر فاعقلوا عباد الله.

ومن هنا -أيها الإخوة- كان للشريعة بركاتها ونتائجها الطيبة التى يحصدها كل من التزم بها ويجر التخلى عنها آثارسيئة لا حدود لسوئها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت