فهرس الكتاب
وإذا أراد العاقل في هذا العصر الذي نعيش فيه معرفة الشاهد من الواقع على صدق هذه الحقيقة، وهي أن المسلمين ينتصرون بسبب التزامهم شريعة الإسلام التي اختارها الله لهم وينهزمون عند زهدهم فيها وبعدهم عن الأخذ بتعاليمها لم يجد شاهدًا أوضح من نتائج الحرب بين العرب واليهود التي تجلت فيها هذه الحقيقة بوضوح ذلك أن العرب الذين أعزهم الله بالإسلام لما لم يلتزموا في هذا العصر - إلا من شاء الله منهم - بشرع الله، ولم يحكموا الوحي الذي نزل به جبريل من الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واختاروا لأنفسهم التحاكم إلى قوانين وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، لما لم يلتزموا بهذه الشريعة الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان ظفروا بالخذلان وصارت لهم الذلة أمام من كتب الله عليهم الذلة، وأي ذل وهوان أشد من هذا الذل والهوان، وسيسجل التاريخ ذلك للذين يأتون من بعد، كما سجل ما جرى من خير وشر للذين مضوا من قبل، ولن يقوم للمسلمين قائمة إلا إذا رجعوا إلى الاعتصام بالله والالتزام بشريعة الله. [1]
ولقد ظهر ذلك جليًّا واضحًا لما عادت تلك الشعوب إلى باريها وراعيها -سبحانه وتعالى- وراجعوا أخطاءهم وأفاقوا من سباتهم فرجعت دعاتهم واعظة مذكرة وعادت شعوبهم آيبة تائبة واعترفت رئاساتهم بالتقصير والتفريط فنصرهم الله تعالى كما حدث في انتصار العاشر من رمضان، ولكنهم عادوا اليوم فنكسوا تلك الرايات البيض وأبدلوا تلك الشارات الحسنة ويوم يعودون ويثبتون على شرع ربهم تحل عليهم بركات الله من السماء والأرض ويأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومن حيث لا يحتسبون ولا يشعرون ولا يقدّرون، فإن للعمل بالشريعة المطهرة بركات لا تحصى، فأول ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- قد أناط خير الدنيا بتطبيق شريعته.
قال تعالى عن أهل الكتاب: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} (المائدة:66) ، وهذه الآية وإن كانت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا أنها تنسحب علينا أيضًا،
وقال أيضًا سبحانه: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (الأعراف:96) ولا شك أن المؤمنين يصدقون بوعد الله ويعلمون يقينًا أن خير الدنيا والآخرة في اتباع مرضاته.
وإذا كان ثم من يكذب بهذا الوعد ولا يرى رابطًا وسببًا بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم، وبين نزول المطر ووفرة الزراعات ورواج االتجارات، فإن ثمة روابط مادية أيضًا يشاهدها كل ذي بصر من مؤمن وكافر بين هذا وذاك، فالصلاة والصيام تربية وتزكية لضمير الفرد وتوجيه له نحو البر والإحسان، ومحبة الخير للناس، ولا شك أن من هذا صفته أجاد صناعته وزراعته، ولم يغش في تجارته، ولم يقبل رشوة إن كان موظفًا، وحافظ على الأموال العامة من الضياع، ولا شك أن مجتمعًا تكون عامته وأكثريته على هذا النحو سيكون مجتمعًا للرخاء والثروة وزيادة الإنتاج.
(1) لزوم التزام المسلم بأحكام الشريعة الإسلامية.