فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 675

أيها الإخوة! إن معرفة الله بأسمائه وصفاته ومحبته ودعاؤه بها، والتعبد له بمقتضاها، هي جنة الدنيا التي من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، لأن أعظم سعادة في الدنيا أن يعرف العبد ربه ويحبه ويتقرب منه، ومن لم يعرف الله كان من جملة الأموات، ولذلك لما ذكر الله نعيم أهل الجنة من السابقين إليها قال: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) [الواقعة: 10 - 12] ، فأول ما ذكر من نعيمهم قربهم منه سبحانه ذكر قربهم قبل أن يذكر الجنة وما أعد لهم فيها من الطعام والشراب والأزواج وباقي الملذات، بل وختم نعيمهم أيضًا بنعيم معنوي حين قال: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) [الواقعة: 25، 26] ، فأعظم نعيم أهل الجنة قربهم من ربهم وتمتعهم بالنظر إلى وجهه الكريم وسماع كلامه ومعرفته ومحبته.

روى مسلم من حديث صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ - قَالَ - يَقُولُ اللَّهُ -تبارك وتعالى- تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ - قَالَ - فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -عز وجل-» . [1] ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخالص، والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكمل من الموحدين، وإثبات الأسماء والصفات هو الأصل لهذا المطلب الأعلى. [2]

فلا غرو ولا عجب أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . [3]

أيها الأحباب ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب المجابين في الدعاء عن الحسن قال: كان رجل من أصحاب النبي من الأنصار يكنى أبا معلق وكان تاجرًا بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكًا ورعًا فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك. قال: فما تريد إلا دمي فشأنك والمال، قال: أما المال فلي ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات، قال: صلي ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعال لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام وبملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني ثلاث مرات، فإذا هو بفارس أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه فلما بصر اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم، فقال: من أنت بأبي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم؟ فقال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم

(1) أخرجه مسلم 467.

(2) انظر: المنة شرح اعتقاد أهل السنة (ص 15 - 22) ، ثم (ص 68 - 82) ، يمتلئ قلبك إيمانًا.

(3) أخرجه البخاري 2736.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت