ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات
والفقر لى وصف ذات لازم أبدًا كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمهم وكلهم عنده عبد له آتى
فمن بغى مطلًبا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد ياتى
فأي ظلم أيها العبد يقع منك أعظم من أن يخلقك ربك من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم سواك رجلًا ورزقك من كل نعمة، وآتاك من كل ما سألته، ودفع عنك كل نقمة واستجاب لشكاتك وفرج كربك، ثم بعد هذا تحبس لسانك وجوارحك عن شكر نعمه، وربما تشكر غيره، إن هذا لهو النبأ العظيم أن ينزل خيره إليك متواتر، ولا يصعد منك إليه إلا الشر مستطيرًا.
إن منا -أيها الإخوة- من إن شفاه الله وعافاه لا يذكر إلا مهارة الطبيب، وجهد الأولاد، ووفرة المال، وربما نظافة المستشفى وسرعة أداء الممرضات واختيار الحذاق من أصحابه لهذه المستشفى، وهكذا في سلسلة طويلة لا نمنع أبدًا من الثناء عليها، لكن وللأسف ينسى في هذه السلسلة كلها أولها ومسببها وموجدها وخالقها صاحب النعمة الأولى والأخيرة في الشفاء ألا وهو الله الذي طببك قبل أن يطببك الطبيب، بل الذي هو فعلًا الطبيب وما الذي باشر الفحص والتشخيص إلا رفيق، ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - والحديث أخرجه أبو داود وأحمد بسند صحيح عَنْ أَبِى رِمْثَةَ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعَ أَبِى فَرَأَى الَّتِى بِظَهْرِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أُعَالِجُهَا لَكَ فَإِنِّى طَبِيبٌ قَالَ «أَنْتَ رَفِيقٌ وَاللَّهُ الطَّبِيبُ» . وفي رواية: طبيبها الذي خلقها" [1] "
والأولى -أيها الإخوة- أن يجعل المسلم الحديث عن هذه الأسباب في ترتيبها الطبيعي ومكانها الصحيح وهو بعد رتبة فضل الله -عز وجل- فيقول: لولا الله ثم العلاج ما حصل الشفاء، ولولا الله ثم قوَّة الجيش لما حصل النصر.
وقد قال الله -عز وجل- مخبرًا عن حال الكفار مع نعمه يحذرنا أن نكون مثلهم:"يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها"فمن نسب النعم إلى غير الله فقط مثنيًا شاكرًا فإنه مما ينافي كمال التوحيد ويشبه حال الكفار بالعزيز الحميد بل فيه إنكار لنعمة الله بنسبتها إلى غيره وهذا نوع من جحودها.
(1) أخرجه أبو داود (2/ 195) وأحمد (2/ 226 - 227) ، وانظر"السلسلة الصحيحة"4/ 51.