الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد، فيا أيها الإخوة!
على المسلم أن يتحرز في ألفاظه ويتحرى في كلماته ومثل هذا التحرز والتحفظ لا يصدر إلا عن قلب معظِّم مُجِلٍ مخبتٍ لله -جل وعلا-، يعلم أن ربه هو ولي الفضل وهو وحده وليُّ الإنعام وهو يستحق أن يُجَلَّ فوق كلِّ جليل وأنْ يُحبَ فوق كل محبوب، وأنْ يُعظم فوق كل معَظمَّ وهذا يوجب توقيره وتعظيمه بالألفاظ.
وعلى المسلم الذي امتلأ قلبه بالتوحيد أن يعلم أن الله هو المستحق للعبودية وهو المستحقُّ للشكر وللإجلال وحده؛ فالعباد فقراء مذنبون، وأن طاعاتِ العباد وأعمالَهم - مهما عظمت أو جلت - لا تفي لحظة بأصغر نعمةٍ أسْبغها الله وخوَّلها لعبيده. فها هو الصدِّيق يُعلِّمُه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول في آخر صلاته: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي» [1] . فإذا كان مِثلُ أبي بكر الصديق علمًا وعملا وجهادا ودعوة ونصرةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا فكيف بحال المساكين أمثالنا؟ كيف يظنون أنهم يستحقون على الله شيئًا؟! [2] نسأل الله أن يسترنا وألا يؤاخذنا بذنوبنا وأن يرحمنا وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدًا.
وعلى المسلم أن يخرج من الحول والقوة وأن يبرأ منهما ويعلم يقينًا أن كل خير هو فيه فإنما هو من الله وأن ما به من نعمة فهي من الله سواء كان بواسطة خلق من خلقه أو بلا واسطة.
وعلى المسلم أن يشكر نعم الله عليه بالجنان واللسان والأركان.
وعلى المسلم أن يتخلَّص من رؤية نفسه، وأن يعلم أنه لاحول ولا قوة إلا بالله، فلذا كانت هذه الكلمة كنزٌ من كنوز الجنة، روى عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْبَرَ - أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهْوَ مَعَكُمْ» . وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَسَمِعَنِى وَأَنَا
(1) أخرجه البخاري (8387) و (7388) ومسلم (2705) .
(2) التمهيد لشرح كتاب التوحيد - (2/ 197) .