فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 675

مُتَآخِيَيْنِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِى الْعِبَادَةِ فَكَانَ لاَ يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ أَقْصِرْ. فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ أَقْصِرْ فَقَالَ خَلِّنِى وَرَبِّى أَبُعِثْتَ عَلَىَّ رَقِيبًا فَقَالَ وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَوْ لاَ يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُبِضَ أَرْوَاحُهُمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ أَكُنْتَ بِى عَالِمًا أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِى يَدِى قَادِرًا وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِى وَقَالَ لِلآخَرِ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. [1]

فيا -أيها الإخوة- على المؤمن أن يعظم الله ويخبت له وينيب إليه وأن يسيء الظن بنفسه ويقوم بقلبه أنه لم ولن يوفِّ الله حقه، فأين ذلك من التعاظم في الكلام، والإغراق في المدح والثناء ونحو ذلك مما يتنزَّه عنه المبجِّلون لله الخائفون من تقلِّب القلوب. فيا صاحب القلب المخبت المنيب إلزم عتبة الخوف والحذر، وكن من لفظك وسمعك على حذر، وألظَّ بمقلب القلوب أن يثبتك على الإيمان والتوحيد، وألا يكلك إلى نفسك طرفة عين [2] .

فالحذر الحذر من القسم على شيئ من هذا أو الحلف على الله في شيئ، وهذا إذا كان الإقسام على الله على جهة التكبر والتعالي أما إذا كان على جهة حسن الظن بالله مع عظيم الافتقار للعزيز الغفار فإنه غير مذموم بل هو جائز ان شاء الله تعالى لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".

وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء ومنهم البطل المغوار أنس بن النضر رضى الله عنه وأرضاه ولا حرمنا في الجنة صحبتة ولقياه فقد روى البخاري عن أنس أن الربيع وهي ابنة معوذ كسرت ثنية جارية فطلبوا الأرش وطلبوا العفو فأبوا فَأَتَوُا النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لاَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» . فَرَضِىَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ» قال أَنَس: فَرَضِىَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ. [3]

ومنهم الشهيد السعيد البراء بن مالك رضى الله عنه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك". ثم إن البراء لقى زحفًا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين: فقالوا له: يا براء إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لو أقسمت على ربك لأبرك، فاقسم على ربك". فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، فمنحوا أكتافهم. ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا المسلمين، فقالوا:

(1) أخرجه أبو داود 4901، وصححه الألباني في المشكاة (2347 / التحقيق الثاني) ، الطحاوية (296) // (364) //

(2) عون العلي الحميد (1/ 262) .

(3) أخرجه البخاري 2703.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت