وفي الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، (ومن استجار بالله فأجيروه) ، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا الله له حتى تعلموا أن قد كافأتموه". [1]
فمن تعظيم الله -جل وعلا- وإجلاله تلبية من سأل بالله، وإعاذة من استعاذ بالله، ولا يرد ولا يهمل وهذا من كمال توحيد العبد وحسن أدائه لحقوق إخوانه التي افترضها الله -عز وجل- عليه وهذا -أيها الإخوة- مشروط بما إذا لم يكن السائل يسأل شيئًا فيه إثم أو قطعية رحم وهنا سؤال بدهي يكاد يخرج من نظرات الدهشة التي أراها على الوجوه أمامي، فأكاد أسمع حركات الشفاه تخرج هامسة تقول: إن كل من يسأل اليوم يسأل بالله، بل ربما سأل بوجه الله فمن نعطي ومن نمنع؟ وكيف لا نردهم ويجب علينا أن نعطيهم إننا نتصور أن لو أعطينا كل سائل لما بقي لأحدنا جنيه ينفقه على أولاده ولتحول بعد يوم واحد من بداية الشهر إلى سائل يسأل الناس كمثل هؤلاء السؤال؟
والحمد لله فقد أجاب علماؤنا عن هذا السؤال -أيها الإخوة- بخير وأبين وأشفى جواب: قال العلامة الألباني: ووجوب الإعطاء إنما هو إذا كان المسؤول قادرًا على الإعطاء ولا يلحقه ضرر به أو بأهله، وإلا فلا يجب عليه، والله أعلم. [2]
نعم -أيها الإخوة- خاصة وأن هؤلاء السؤال إلا من رحم الله تعالى يسأل بحق وبغير حق.
وليعلم أن الأصل في السؤال الحرمة إلا إذا كان ذلك بحق كالفقير المحتاج الذي يطلب حقه.
ومما يجدر التنبيه عليه كذلك: أنه يستحب -أيها الإخوة- الكرام أن يتنزه الإنسان عن سؤال أحد من الخلق شيئًا وذلك حفظًا للقلوب حتى لا تلتفت وتتعلق بغير الله، ولذلك كان مما يبايع عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا روى مسلم من حديث أَبِى مُسْلِمٍ الْخَوْلاَنِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى الْحَبِيبُ الأَمِينُ أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَىَّ وَأَمَّا هُوَ عِنْدِى فَأَمِينٌ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِىُّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ «أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ «أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ» . فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ «أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ» .
قَالَ فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلاَمَ نُبَايِعُكَ قَالَ «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» . فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. [3]
(1) أخرجه البخاري في"الأدب المفرد" (216) و أبو داود (1/ 389، 2/ 622) ، وهو في"الصحيحة"1/ 454.
(2) "السلسلة الصحيحة"1/ 456.
(3) أخرجه مسلم 2450.