فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 675

رجلًا يحلف بأبيه فقال:"لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض بالله فليس من الله". [1]

فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المحلوف له بالله أن يرضى فعلى العبد الرضا بالحلف بالله وقبول الحكم على أساسه وإن علم كذب الحالف وعليه أن يحتسب حقه يوم القيامة.

ومن جميل ما قرأت في هذا الباب ما ذكره البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلاَّ وَاللَّهِ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِى». [2] "

والنكتة هنا يجليها لنا صاحب الفهم العميق الدقيق ابن القيم رحمه الله وطيب ثراه فيقول:"إن الله تعالى كان في قلب عيسى - عليه السلام - أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا، فدار الأمر بين تهمة الحالف وتهمة بصره فرد التهمة إلى بصره كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح".

أيها الإخوة! وأما إذا كان الحالف معروفًا بالكذب جدًا وظهرت قرائن قوية تدل على تزويره الحلف وكذبه فيه وجرأته عليه فهنا لا شيئ في رد حلفه ويمينه.

روى مسلم عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ قََالَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبَرَ تَفَرَّقَا فِى بَعْضِ مَا هُنَالِكَ ثُمَّ إِذَا مُحَيِّصَةُ يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ قَبْلَ صَاحِبَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «كَبِّرِ» . الْكُبْرَ فِى السِّنِّ فَصَمَتَ فَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ وَتَكَلَّمَ مَعَهُمَا فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُمْ «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ» . أَوْ «قَاتِلَكُمْ» . قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ قَالَ «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» . قَالُوا وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْطَى عَقْلَهُ. [3]

أي دفع ديته، فهذا بلا شك -أيها الإخوة- رد من الصحابة لحلف هؤلاء اليهود، لأن الكذب ديدنهم ودينهم، وأقرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك.

(1) أخرجه ابن ماجه (2101) ، وصححه الألباني في الإرواء (2698) .

(2) أخرجه البخاري 3444، ومسلم 6286.

(3) أخرجه مسلم 4434.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت