أما من كان صادقًا فحلف فلم يقنع المحلوف له فإنه يدخل تحت وعيد النبي - صلى الله عليه وسلم:"ومن لم يرض فليس من الله"وهذا وعيد شديد جدًّا ومعناه أي: لا حظ له في قرب الله ومحبته ورضاه، فاقنعوا رحمكم الله بحلف الحالف طالما عرفتم منه الصدق بل وإن كان كاذبًا ديدنه الكذب أو مشكوكًا فيه ولنحتسب عند الله ما قد يفوتنا من جراء ذلك.
التنبيه الرابع: قد ظهر لحضراتكم -أيها الإخوة- الكرام مدى تعظيم الشرع للحلف بالله واحتياط الإسلام فيه والأمر بالحفاظ عليه وعدم الاستهانة والاستخفاف به لكن كثيرًا من المسلمين لا أقول استهانوا بالحلف بالله بل استهانوا بما هو أعظم وأفظع مما سماه الله ورسوله شركًا وسمى فاعله مشركًا ألا وهو: الحلف بغير الله، وهذا مما فشا وعم وطم في المسلمين في هذه الأيام بكثرة ولا حول ولا قوة إلا بالله على الرغم من النصوص الكثيرة جاءت تنهى عن الحلف بغير الله وتتوعد بالوعيد الشديد من أتاه.
ولهذا قال الله تعالى:"فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"وللحديث صلة بعد جلسة الاستراحة، هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد، فيا -أيها الإخوة-! إن حقيقة التوحيد ألا يكون في القلب إلا الله فهو وحده الذي يجب إفراده بالنعم والمشيئة والتعظيم، وهو وحده الذي تخلص له الأعمال وتحنى له الجباه وتخضع، لأنه المعبود الحق وما سواه باطل، ولا يتم للعبد توحيد حتى لا يجعل في قلبه وقوله وفعله ندًا للعزيز الحميد كما قال سبحانه: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) [البقرة: 22] ، وقد فسر ترجمان القرآن ابن عباس معنى اتخاذ الأنداد المنهي عنه في هذه الآية فقال:"الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص. ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا. هذا كله به شرك". [1]
فجعل من ذلك الحلف بغير الله ولم لا؟ وقد قال رسول الله فيما روى الترمذي وحسنه من حديث أمير المؤمنين عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" [2] ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بالآباء وما أشبه ذلك،
(1) تفسير ابن أبي حاتم - (1/ 379) ، وعنه تفسير ابن كثير - (1/ 196) .
(2) أخرجه أبو يعلى في مسنده 5871، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.