وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان سليمان عليه السلام يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فترتفع حتى تصعد على فراشه ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء وهو مطأطئ رأسه، ما يلتفت يمينًا ولا شمالًا تعظيمًا لله -عز وجل- وشكرًا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله. [1]
أيها الإخوة .. مثل هذا يسب ويشتم؟ إنه جندي من جنود الله مطيع ما بيده شيء قط إنما أمره بيد ربه يصرفه حسبما يرى ويوجهه حيثما يشاء فلا مشيئة له إلا بالله ولا إرادة له إلا بالله ولا قدرة له إلا بالله، فليتق الله من يسب الريح وليعلم أن ذلك حرام حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي بسند صحيح من حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أمرت به". [2]
أيها الحبيب .. هل تدبرت معي هذه اللفظة"ما أمرت به"فالريح مخلوقة مأمورة مدبرة مقهورة لا تأثير لها في شيء إلا بأمر مدبرها ومصرفها -سبحانه وتعالى-، فإذا سبها ساب أو شتمها شاتم فإلى من يكون رجوع هذا السب والشتم؟ هل تدرى؟! واأسفاه إن الشتم والسب حينئذ يرجع إلى مدبرها ومالك أمرها ومن أزمة الأمور كلها بيده رب العالمين سبحانه وهو غير جائز على الإطلاق من عاقل فضلًا عن مسلم موحد.
فالواجب أن نحمد الله على ما جاءت به الريح من خير ونعوذ به وحده مما جاءت به من شر وهو سبحانه رازق الخير ومانع الضر والشر، وفي هذا العمل طاعة لله -عز وجل-، أن يقول العبد هذا الذكر النبوي الكريم هذه طاعة لله تعالى:"اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به"، وقاعدة الشرع أنه ما استجلبت نعمة بمثل طاعة الله وشكره ولا استدفعت نقمة بمثل الالتجاء إليه ودعائه والاستغفار من الذنوب، والتوبة ولذلك أرشد النبي إلى الدعاء ساعة هبوب الريح وعصفها.
ويقاس على هذا -أيها الإخوة- سب كل مخلوق مسير كسب السحاب والزلازل فإنه أيضًا لا يجوز.
فلا ينبغي أن يسب أحد الريح، لأنها مأمورة بما تفعله من الله تعالى، ولأنه لا يعتقد معتقد أبدًا أن ذلك عن إرادتها أو حريتها لأن اعتقاد ذلك من الشرك بالله -عز وجل- فلا فاعل ولا مدبر ولا مريد لشيء في الكون إلا بأمره وإذنه -عز وجل-.
(1) نفسه.
(2) أخرجه الترمذي (2252) ، وصححه الألباني في الصحيحة 2756.