فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 675

قال العلماء: ومعنى"واجنبني"أي أبعدني واجعلني في جانب بعيد، فمع المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم -عليه السلام- عند ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار، مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن والحي لا تؤمن عليه الفتنة هكذا طلب إبراهيم من ربه فهل نحن بمنجاة ومأمن من الوقوع فيما حذره إبراهيم عليه السلام ولهذا قال بعض السلف لما قرأ هذه الآية"وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ"قال:"ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم!"فإبراهيم خاف على نفسه الوقوع في الشرك لما رأى كثرة من وقع فيه من الناس [1] وقال عن الأصنام كما حكي ربنا:"رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ".

وقد خاف النبي -صلى الله عليه وسلم- الشرك على سادات المهاجرين والأنصار، على أفضل هذه الأمة كما سمعنا في الحديث الذي مر قريبًا:

"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فإذا كان هذا حال الأنبياء والصحابة فكيف بمن دونهم، كيف بنا -أيها الإخوة-؟ فحاذروا أن يقع أحد منكم في الشرك كبيره أو صغيره، فإن الأمر خطير ألم تلاحظوا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-"من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار"، لاحظوا كلمة"شيئًا"فإنها ـ لغة ـ نكرة تعم الشرك كله صغيره وكبيره، وما أُشْرِك مع الله من نبي أو ولي أو ملك، لأن الشرك لا يغفره الله أبدا، ً"إن الله لا يغفر أن يشرك به"ومن منا يدري متى يموت؟ ومن يدري على ماذا يموت؟ فالإنسان يخاف على نفسه من سوء الخاتمة وأن يموت وهو يشرك بالله -تعالى- فيكون من أهل النار فلذلك يجب على الإنسان أن يحذر من الشرك طول حياته، لأنه لا يدري في أي لحظة يموت فيكون من أهل النار إذا ختم له بالشرك، حتى ولو كان من أهل التوحيد قبل ذلك وعارفأً به ومستقيمًا عليه لكن يجب أن يخاف من الانتكاس على عقبه، أسأل الله لي ولكم السلامة والعافية.

إنه الشرك الذي كان سببًا في كل مصيبة ولا يزال فما سلط علينا العدو في الأرض والعرض إلا من جراء الشرك.

ويحَ العروبةِ كان الكونُ مسرحَها ... فأصبحت تتوارى في زواياه

أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... تجدْه كالطير مقصوصًا جناحاه

كم صرّفتنا يد كنّا نصرّفها ... وبات يحكمنا شعب ملكناه

ووالله ما سلطوا علينا إلا يوم تخلينا عن التوحيد، يومها دب فينا الخَور، وتركنا القوة والشجاعة وجبنا عن مقاومة حفنة من حثالة الأرض ممن كتب الله عليهم الذلة، تمكنوا منا يوم تمسكوا بعقيدتهم وتخلينا نحن عن عقيدتنا، يوم استمسكوا بحرفية النصوص نصوص التوراة وهي المحرفة، ونادى بعض المسلمين بترك القرآن ورميه وراء الظهور حتى

(1) إعانة المستفيد (ص 96) ، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت