فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 675

خَالِدُونَ (39) " [البقرة: 38، 39] ، ولم يعرف أن آدم وبنيه انحرفوا عن ملة التوحيد وشريعة الحق والهدى لمدة حتى توفى آدم، وعقبه الله بأنبياء من بنيه وذريتهم حتى مضت على ذلك مدة طويلة ثم جاء الشرك روى الطبري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين".

ومن هنا بدأ الشرك ـ أيها الإخوة ـ رحلته العفنة القذرة في أرض التوحيد الأولى، نعم كان الناس على شريعة من الحق والهدى حتى زين الشيطان -عليه لعنة الله- لقوم نوح عليه السلام عبادة الأصنام، فكانوا أول من أحدث الشرك كما روى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:

"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعده أما"وَدّ"فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما"سُواع"فكانت لهذيل وأما"يَغوث"فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ وأما"يَعُوق"فكانت لهمدان، وأما"نَسْر"فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت". [1]

أي أنهم عبدوا تلك الصور لما ضاع العلم بشأنها لم كانت؟ وما هي؟!

وقال الحافظ ابن حجر: أخرج الفاكهي من طريق عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح -عليه السلام- وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجل منهم فحزن ابنه عليه فجعل لا يصبر عنه فاتخذ مثالًا على صورته فكلما اشتاق إليه نظره، ثم مات ففعل به كما فعل حتى تتابعوا على ذلك فلما مات الآباء قال الأبناء:"ما اتخذ آباؤنا هذه الآلهة إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها"، فلما أراد الله أن يرحمهم وأن يخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد أرسل الله إليهم نوحًا ـ عليه السلام ـ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك تلك الأصنام فكان من شأنه وشأنهم ما قص علينا ربنا في كتابه أنهم أصروا وعاندوا واستكبروا:"وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) ، ثم جاء بعدهم قوم إبراهيم الخليل وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم كل هؤلاء أشركوا بالله وأمدوا الشرك بغذاء أطال عمره ومد أجله في الحياة لما أصروا على عناد رسلهم وأنبيائهم، وكان الله -عز وجل- يرسل في كل أمة رسولًا يدعوهم إلى التوحيد وترك الشرك، وظل الشرك -أيها الإخوة- في الأمم بعد هؤلاء كان في أمة موسى لما عبدوا العجل الحيوان وكان فيهم لما عبدوا عزيرًا الإنسان، وكان الشرك في أمة عيسى لما عبدوا نبي الله عيسى نفسه، ثم انتقل الشرك إلى العرب ثم إلى الجزيرة التي سيبعث فيها بعد انتقال الشرك إليها بقليل إمام الموحدين سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-."

(1) أخرجه البخاري (4920) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت