والحديث عن نزول القرآن بكل حروفه وكلماته ومعانيه على أكبر جبال الأرض وأضخمها وأعلاها لرأيناها خاشعة متصدعة متفتتة لا تتحمل هذا الوزر ولكن اقتضت مشيئة الله أن ينزل هذا كله على هذا القلب المنيب السليم الوجل على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى في سورة البقرة آية (97) "قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله .."وقال في سورة الشورى آية (24) "فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته ..".
وانتقل هذا العقل وهذا الفقه لدين الله الذي جاء به القرآن والذي ضَمَه وعقلهُ وفقههُ أشرف القلوب وأعبد القلوب وأوجل القلوب على وجه الخليقة انتقل هذا كل قبل أن يذهب إلى خالقه إلى قلوب من بلغوا الشدة وعقلوا دين الله وهم أولئك الذين سبقوهم وهم الذين حضروا وهم الذين سوف يأتون ومثالهم في ذلك قدوتهم وقائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بلغ الأربعين ونزل عليه الوحي من السماء وخاطبه تعالى في سورة المزمل آية (5) "إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا .."
إن وحدة الخلق وتفرد الخالق به وجب على جميع الخلق أن يبصروا بعضهم بعضًا ومن خلال التحقق من ذلك ووجب على كل مخلوق الاستسلام والخضوع والتذلل لهذا الخالق الذي أكمل كل خلقه بالأخرى وجعلها ناقصة لمفردها ولو بصرت كل خلقة بنفسها ولنفسها ولم تبصر بالأخرى لظل بصرها ناقصًا ولو بصرت كل خلقة بنفسها ولنفسها ولم تبصر خالقها لكان ذلك لزاما التنبيه عليها وتحذيرها وإنذارها والتساؤل هنا هو كيف لكل خلقة أن تبصر نفسها أو أن تبصر غيرها ويكون بصرها ناقصًا إذ كيف لها أن لا تبصر الخالق وتبصر المخلوق ولها أعين ويكون بصرها ناقصًا وأين يكون الخلل في العين أو في البصر ذاته وكيف يكون ذلك وكل ذلك يبقى في حياة الإنسان مضطربًا وغائبًا وحاضرًا في ظل حكمة الله في خلقه وآيات الله في القرآن العظيم وضعت كل تلك الحالات في موضع المكاشفة العلنية وخصوصًا في عمر الشدة التي نتحدث عنها الآن والآية العظيمة (125) من سورة طه أوضحت وبجلاء بداية هذه المشكلة ونهايتها قال تعالى فيها"قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا"وهذا مثال عمن كان في حياته بصيرًا يتمتع بأعينه المبصرة ولكن كما سئل عنها يوم القيام فإنها لم ترى آيات الله حوله ولم يؤمن بها خلال حياته كما جاء في الآية (198) من سورة الأعراف، قال تعالى"وإن ندعوهم إلى"