(67) وهكذا يبني الإنسان برنامج عمله الدؤوب يومًا بعد يوم وليلة بعد ليلة وبالإضافة إلى ذلك فإن الآية المذكورة هذه تكمل إعطاء التفاصيل وتسمح بمزيد من التنظيم والبناء وتأدية العبادات وكسب الرزق والراحة السنوية والفصلية إذ هي تذكر {وما خلق الله في السموات والأرض} وفيها إشارات ودلالات عظيمة الأثر حيث خلق الله في السماء فوق الإنسان السراج المنير والشمس المضيئة والنجوم وكذلك السحاب الركام وكل هذه المخلوقات تقسم الزمن وأوقاته في حياة الإنسان إلى فصول في السنة الواحدة من عمره فهذا صيفًا وهذا شتاءً وهذا معتدلًا وهذا خريفًا وهذا فيه سفر وترحال وهذا فيه عمل واستقرار وذاك فيه خصوصية وهذا فيه حصاد وهكذا يكمل الزمن تبدله وتناوبه مع الأرض وأحوالها برنامج الإنسان في عبادته وعمله لله ومع الله فالمؤمن من أمة محمد يعرف شهر الحج ويحسبه ويحسب تعاقبه مع شهر رمضان وكذلك هذا شهر حرام وهذا شهر عيد لا عمل فيه لكسب الرزق وإنما لكسب رحمة الله فكل هذه التفاصيل الدقيقة والمرتبة والمتناوبة تساعد المؤمن في تنفيذ عقده وإصره بكل ثقة وبكل ترتيب حتى يصل به إلى الفوز والنجاح.
5)إن مجمل زمن عمل الإنسان في حياته قال عنه الله عز وجل في الآية (70) {متاع في الدنيا .. } فمن أسرع إلى هذا المتاع وقضى فيه عمره ونسي عهده مع الله فإن عمره تقدّر فقط وانتهى بما تمتع به في الحياة الدنيا وهذا زمن له حسابه ووقته وله جزاؤه في الحياة الأخرى جهنم يعذب بها وهو محروم من الحياة ثانية وأما من أوفى بعهده وأتقن عقده وإصره مع الله فإن له البشرى في الحياة الدنيا والآخرة أي أن هناك زمنين أي حياتين يحياهما.
إن هذه المادة أو الفقرة تبنى عليها كل العقود التي تبرم بين أي طرفين مهما كان موضوع وغاية العقد بينهما وهي تكاد تكون محور الحياة الدنيا على وجه الأرض وكذلك تبنى على أساس الأجر كافة المعايير الأخلاقية الإنسانية التي تنظم العلاقات البشرية بين بعضهم بعضًا وقد كان المعيار أو المثل الأعلى لهذا الأجر ولهذا العمل الذي يبذل أمامه هو قول الله تعالى في محكم كتابه القرآن العظيم في سورة الذاريات آية (56) {وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون} وهذا أول عقد أبرم بين الذات الإلهية جلت في علاها وبين الرحمة التي سبقت خلق الإنس والجن ثم كان الميزان القسط عل وجه