فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 186

الهدى لا يسمعون وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون"ومثال على التنبيه والتحذير والإنذار ما جاء في الآية (104) من سورة الأنعام قال تعالى فيها"قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ". إذ يتضح من هذه الآيات الكريمات أن البصيرة المقصودة والمعنية في هذه الحالات ليست الرؤى النافذة من العين السليمة فقط وإنما هي الرؤى وما وراء الرؤى النافذة إلى العقل في القلب وما تحدثه فهي تعتبر رافدًا مهمًا للعقل في القلب الذي هو معقل الوازع لدى المخلوق البشري فإذا كان هذا البصر رافدًا للعقل في القلب وتفاعل على أثره القلب يقال عن صاحبه عندئذ أنه أبصر وأصبح من المبصرين ولكن لا يقال عنه من المهتدين وفي الآية (96) من سورة طه الدليل على هذه الحالة التي مرّ بها ملايين الناس ولم يتعظوا ولم يهتدوا أبدًا، قال تعالى"قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي"إذًا هنا مكمن الكفر السافر والنفاق الشائن النفس تعمل معاكسة للبصيرة وهنا كذلك يتشكل طرفين متناقضين، أما إذا توافق الطرفين واشتد توافقهما فإن الهداية تتحقق والوازع يتجه إلى شكر النعمة وخالقها كما حدث لخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام وهو ينظر ويتأمل في ملكوت السموات والأرض ويقلب الأمور فلعل ناظريه تقع على شيء يتوافق إلى ما يتوق إليه قلبه ويتحد معه وظل كذلك زمنًا إلى أن استقرت بصيرته واهتدت إلى الخالق الأكبر والإله الأوحد وكذلك مر بهذه الحالة الأنبياء والصالحون وممن اشتد وازعهم من المؤمنين إلى أن أصبحت مسألة البصر في دين الله الإسلام شعيرة وشعبة من شعب الإيمان يجب الحرص على ألا يزوع البصر أبدًا والمحرمات وإلى ما لا يعني المؤمن المسلم صغيرًا أم كبيرًا ولم يفرق الشارع بين الأنثى والذكر في العين وما تبصر والقلب وما يعقل جاء ذلك في سورة النور الآية (31) قال تعالى"وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن ..""

وأخيرًا إن من لا يبصر الله في خلقه وفي آياته في حياته الدنيا فإنه يحشر في الآخرة أعمى وبالتالي فإنه يحرم من رؤيته لوجه الله ونوره وأما من بصر آيات الله وخشعت بصيرته لنعم الله في الحياة الدنيا فإنه يحشر في الآخرة مع الوجوه الناضرة إلى ربها ناظرة.

إن الحصن الحصين للإيمان الراسخ الذي لا تزعزع بالله وبملكوته هو القلب اللين المتذلل الخاشع وإن البصر النافذ إلى ملكوت السموات والأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت