عندما خاطبهم سليمان بقوله، قال تعالى في سورة النمل آية (16) ".. يا أيها الناس علمنا منطق الطير .."أصبحوا واحدًا من ثلاث وربما كان هؤلاء الناس من بني إسرائيل ومن الأقوام الأخرى التي أسلمت وحكمها سليمان وضمها إلى مملكته كما شاء له تعالى في ذلك الزمن.
والذي نستخلصه بهذا الخصوص من هذه الآيات هنا هو أن الآية (16) لم تذكر أن سليمان خاطب هؤلاء أي من كانوا بالقول: يا قومي وأن التركيز كان شديدًا على حالة النبي سليمان المؤمنة بالله وبما أعطاه من حكم صارم وملك عظيم وأن كل من كان حوله إنما هو مسير ومحكوم وكان ضعيفًا خائفًا وبمجرد موت سليمان انفرط العقد وتفرق الناس وانهارت المملكة من بعده بفترة وجيزة وانتشر الفساد بشدة بين بني إسرائيل وقد جاء ذكر هذا الاستعداد للارتداد والخذلان ومثالًا على عدم الإيمان وعدم الرضى بما يقوم به من أعمال في سورة سبأ قال تعالى آية (14) ".. أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين". وبالرغم من أن هذه الآية تحدث عن الجن بالاسم إلا أن حال الناس عامة ومجتمع بني إسرائيل في بيت المقدس خاصة وما جاورها من الأرض المقدسة عام لم يكن يختلف كثيرًا ودل عليه نفس الحال من انفراط في العهد والميثاق والانهيار العام الذي أصابهم بسبب انتشار الفساد والكفر والقتل بينهم كما سنرى لاحقًا ما حل بوازع بني إسرائيل عامة وقالوا إليه وذلك من بعد موت سليمان عليه السلام.
لقد وضّحت آيات الله في القرآن العظيم العلائم البارزة والممهدة لهذا الزمن بكثير من الملاحم الإنسانية التي عمت حياة البشرية وتجمعاتها في مختلف البقاع والأزمنة وقد تجاوزت هذه الملاحم بني إسرائيل ومواطن تواجدهم إلى أمم أخرى من البشرية وفي مواقع شتى من بقاع الأرض ونلخص هذه العلائم باتجاهين اثنين لا ثالث لهما:
علائم الاتجاه الأول: خاصة ومحصورة ببني إسرائيل وأسباطهم (دعوة خاصة) وقد تركزت هذه العلائم بشكل كثيف ومتسارع حتى أنه أصبح يتواجد ويتعاصر أكثر من نبي في مكان واحد وفي سبط واحد أو في قرية واحدة كما أطلق عليها القرآن وهذا يدل على حالة الإفراط والإمعان في الكفر والضلال وممارسة الظلم علانية ودون خشية أو حياء وقد جاء ذكر ذلك في سورة يس آية (13 - 14) وكذلك في سورة مريم التي تحدثت عن النبي زكريا وابنه يحيى.