السرد المتتالي والمتوالي .. وبالترتيب القصصي التاريخي لنشوء وقيام الأمم والدول ومن ثم زوالها منذ ساعة خلق الإنسان وتشكله بجبلته المعروفة في الملأ الأعلى وبدء حياته على وجه الأرض إلى آخر عهد له مع الوحي الإلهي وصحبته مع آخر الرسل. أولا بأول من دون نقصان ومن دون تأخير أو تقديم مرحلة عن أخرى كما لاحظناها في سور القرآن الأخرى. وسورة الأعراف جاءت بهذا الترتيب المكتمل والمتكامل والسرد القصصي التاريخي لتعاقب الأمم الذي جاء هنا لم يكن كما أشرنا إليه سابقا للإمتاع أبدا بل للخبر وتقديم وأخذ العبر والمثول لتغيرات الأحوال وطول أو قصر السفر، وله دلالات هي غايتنا وسوف نسلط عليها الضوء في ما بعد وما قاله ابن خلدون في مفدمته المشهورة وتعريفه بالتاريخ: (أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السُوقَة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ويتساوى في فهمه العلماء والجهال. إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأوَل، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمحال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق.
ويعود ابن خلدون ويشير في موضوع آخر قائلا: (ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبديل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دويّ شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة.)
ثم يشرح الأسباب لتبدل الأحوال في الأمم والأجيال بقوله: (والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد، هو ان عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه(الناس على دين الملك) وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة والأمر فلا بد وأن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذو الكثير منها ولا يغفلو عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة، ثم لا يزال التدرج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة، فما دامت الأمم والأجيال