فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 98

ينقص إلى درجة البخل والتقتير، وهو أمر مطلوب من الفرد، كما هو مطلوب من الأسرة، كما هو مطلوب من المجتمع والدولة.

وهو كذلك يختلف باختلاف القدرات والإمكانات المالية والاقتصادية للفرد والأسرة والجماعة والدولة. فما قد يكون إسرافا في البلاد الفقيرة والتي تعاني من أجل توفير الضروريات، قد يُعَد لونا من التقتير والتضييق في بلاد الوفرة والغنى.

فلا بد من مراعاة قدرة المستهلك وإمكاناته، والحكم له أو عليه وفقا لها، كما قال تعالى في شأن الأزواج مع زوجاتهم: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7] .

المهم أن يكون هذا الدستور نصب عيني المستهلك، حتى لا يطغى في الميزان، ولا يخسر في الميزان، وهو قول الله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء:29] ، وقوله تعالى في وصف عباد الرحمن الذين رضي عنهم وجعل جزاءهم الجنة يلقَّون فيها تحية وسلاما: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67] ، وقوله سبحانه: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء:27،26] ، وإنما كان الشيطان كفورا لربه، لأنه استخدم نعمته وما آتاه من قدرات في نشر الشرِّ والفساد، وإضلال الخلق عن الحقِّ، وكذلك المبذِّر استعمل نعمة الله في المال فيما لا يُرضي الله. وفرَّق العلماء بين الإسراف والتبذير بأن الإسراف تجاوز في الكمية، وهو جهل بمقادير الحقوق، والتبذير تجاوز في موقع الحقِّ، وهو جهل بالكيفية وبمواقعها، وكلاهما مذموم [1] .

ويدخل في التبذير كلُّ إنفاق في المحرَّمات، ولو كان درهما واحدا. نقل القرطبي عن الشافعي رضي الله عنه قوله: التبذير: إنفاق المال في غير حقِّه، ولا تبذير في عمل الخير [2] .

(1) - انظر: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (6/ 26) ، نشر المكتبة الإسلامية - محمد أزدمير، ديار بكر، تركيا.

(2) - تفسير القرطبي (3/ 64) ، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت