الخامس أن من قال من أهل الكلام بأن القديم لا تحله الحوادث إنما قاله لأن تسلسل الحوادث في المحل يستلزم حدوثه عندهم فإن كان قولهم هذا صحيحا لزم حدوث الأفلاك والنفوس وكل ما يقوم به حوادث متسلسلة وهو يستلزم بطلان حجتكم لأنه حينئذ يمكن صدور العالم المحدث عن القديم بل هذا يبطل مذهبكم لأنه إذا كان ما قام به الحوادث حادثا امتنع قيام الحوادث بالقديم سواء كان واجبا أو ممكنا بل إذا كان تسلل الحوادث ممتنعا لزم حدوث ما يذكرونه من العقول وغيرها
وإن لم يقم به حادث فإنه على هذا التقدير يجب أن يكون للحوادث أول فإذا كان للنفوس أول وجب أن يكون للعقول أول لأن وجود العقول يستلزم وجود النفوس فيمتنع كالعكس وحينئذ فلا يكون في العالم شيء قديم قام به حادث بل لا يكون في العالم قديم وإن لم تقم به الحوادث بل إما أن يقال حدثت فيه الحوادث بعد أن لم تكن أو ما زال يحدث شيء بعد شيء والأول يستلزم حدوث الحادث بلا سبب حادث وهذا باطل كما ذكرتموه في الحجة لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح والثاني يمتنع أن يكون في الممكنات شيء قديم وهو نقيض مذهبكم
فإذا قالوا نحن ما أحلنا قيام الحوادث بالواجب لكون القديم لا تحله الحوادث فإن ذلك جائز عندنا بل لأنه لا تقوم به الصفات
قيل لهم فحينئذ سهلت القضية فإن جماهير أهل الملل من المسلمين وغيرهم بل وجمهور الفلاسفة يخالفونكم في هذا الأصل وقولكم في نفي الصفات أضعف بكثير من قول من قال القديم لا تحله الحوادث