فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 137

الشرع إنّما نص على بعضها, فيعلم ما بقي منها بالقياس على المنصوص, فما مثال الصغائر التي تكفّر باجتناب هذه الكبائر حتى يعلم منها أيضا ما يستدل به على ما بقي؟ قلت: قد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن ذلك فقال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عزّ وجل كتب على بني آدم حظّه من الزنا, أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العين النظر, وزنا اللسان النطق, والنفس تتمنّى وتشتهي, والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه» خرّجه مسلم [1] . وفي البخاري أنّ رجلا قال: يا رسول الله عالجت امرأة فأصبت منها ما دون أن أمسّها, فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له عمر: قد ستر الله عليك, لو سترت على نفسك, فانطلق الرجل برده عليه, وأنزل الله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) [هود:114] [2] . ولا جرم أنّ الفعل محرّم بالإجماع غير أنّه بالنسبة إلى الفرج أصغر, فتسميته صغيرة بهذا الاعتبار. فهذا مثال من أمثلة ما يسمّى صغائر, ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه (قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم) [النور:30] ولا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.

واعلم أنّه لا تعلم الصغائر والكبائر إلاّ من جهة الشرع, ولا مجال للعقل في ذلك كلّه. فإن قلت: لم عبّر عن عدم المؤاخذة بالكبائر بالصفح, وعن ترك المؤاخذة بالصغائر بالمغفرة؟ قلت, قال بعضهم: لما فيه من عظيم الامتنان وسعة الجود والإحسان؛ لأنّ محو الكبائر أبلغ في دلالة الكرم من

(1) أخرجه البخاري في الاستئذان, باب زنا الجوارح دون الفرج؛ ومسلم في القدر, باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا.

(2) لم يخرجه البخاري, وإنما أخرجه مسلم في التوبة, باب (إن الحسنات يذهبن السيئات) : عَنْ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ. وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا. فَأَنَا هذَا. فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللّهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ شَيْئاً. فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ. فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ رَجُلاً دَعَاهُ، وَتَلاَ عَلَيْهِ هذِهِ الآيَةَ: (أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللّهِ هذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ «بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت