باردا في الصيف حارا في الشتاء, يخرج من عرقين يتغذى من أحدهما ويشرب من الآخر, وتكفّل برزقه مدّة حياته, ودفع عنه ما لا يستطيع دفعه عن نفسه؛ منّة منه تعالى عليه ولطفا به.
وفيه تنبيه أنّ الرزق هو ما ينتفع به المرزوق.
قوله رحمه الله: (وعلّمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما. ونبّهه بآثار صنعته, وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخِيَرة من خلقه)
جعل يعدّد منن الحقّ تعالى على عباده, وتنقلهم من طور إلى طور, إلى أن يصير هذا الإنسان يعلم مصالح نفسه فيقصدها ويجتنب مضارها ويباعدها, قال الله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتهم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل:78] فحينئذ يتوجه عليه خطاب التكليف, ويرشده إلى النظر في الآيات, وينبّهه بآثار الصنعة, فيستدل بها على الفاعل, فيعلم ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه؛ ولهذا قال الله تعالى متصلا بالآية الأولى: (ألم يرو إلى الطير مسخرات في جوّ السماء ما يمسكهنّ إلاّ الله) [النحل:79] فأخبر تعالى أنّ فائدة وجدان السمع والأبصار والأفئدة النظر في الآيات والتدبر, إذ بها يتوصل إلى معرفته تعالى؛ فيلزم التصديق بخطاب الشرع, ولهذا ختم هذه الآيات بقوله عزّ وجلّ: (فإن تولوا فإنّما عليك البلاغ المبين) [النحل:82] إلى قوله: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [النحل] فبيّن تعالى أنّ التكليف إنّما هو بخطاب الشرع, فمنه يعلم وجوب الواجبات وحظر المحضورات, وبه تقوم الحجة وتظهر في هذا الجنس الحكمة.
فعلمنا من مجموع هذا أنّ الطرق التي يحصل بها لهذا الإنسان العلم ثلاثة: الضرورة, والنظر, والخبر.
فاستفدنا الضروريات من قوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار) , واستفدنا النظريات من قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات) ,