ينخس بالرماح حتى يموت, يقول: فلو كان هذا يقرّ بوجوبها حقيقة لم يسلّم نفسه للقتل, فجعل تركها دليلا على انتفاء التصديق بها من قلبه, فهو عنده من المحال العادي. وغيره يقول: وإن سلمنا أنه محال عادي, فيجوز عقلا وقوع المستحيل العادي, والقول بالتكفير والإخراج من الملة إنّما يكون بقاطع لا يحتمل شيئا, والله أعلم.
وما وقع في الأحاديث من تسمية أعمال الجوارح إيمانا [1] فذلك باعتبار كمال الإيمان, لا بأنّها جزء ماهيته؛ وقد وقع الإجماع على أنّ الإيمان شرط في العمل, والشرط يغاير المشروط بالاتفاق؛ وقد فرق عليه السلام بين الإيمان والإسلام [2] في حديث جبريل عليه السلام؛ ويكون الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى باعتبار العموم والخصوص, لاشتراك الإيمان والإسلام في الانقياد؛ فكلّ مؤمن مسلم, وليس كلّ مسلم مؤمنا, قال الله تعالى: (قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) [الحجرات:14] .
وإذا كان الإيمان بمعنى التصديق, وكان الإسلام بمعنى الاستسلام صحّ أن يكون الإسلام بالجوارح إيمانا وتصديقا, وصحّ أن يكون الإقرار باللسان عن تصديق القلب استسلاما, فأطلق اسم كلّ واحد منهما على الآخر؛ بخلاف إذا اختلفا ففارق الباطن الظاهر, فيسمّى الظاهر إسلاما ولا يسمّى إيمانا؛ فثبت بهذا أنّ كلّ مؤمن مسلم ولا ينعكس. وبهذا الاعتبار تعقل زيادة الإيمان ونقصانه, والله أعلم.
وأما من صدّق بقلبه ولم ينطق بلسانه فإمّا عن عذر أوْ لا؛ والعذر إمّا عدم تمكنه من النطق أو عدم اتساع الوقت, مثل أن يخترم قبل النطق, فهذا
(1) سقط من أ (إيمانا)
(2) سقط من ب (بين الإيمان والإسلام)