فكشف الغيب أنّه مبتدع, أن يكون مخلصا, وهو باطل بالاجماع.
فلم يبق إلاّ أنّه علم صدقه بقيام الدليل, فليس بتقليد إذًا, وإنّما هو علم, والتقليد يضادّ العلم.
وحقيقة التقليد قبول القول بغير حجة. قال بعضهم: أنتج هذا أنّ المقلّد غير عارف, ولم ينتج أنّه غير مؤمن, إلاّ بقيد ألاّ يوافق الحق في اعتقاده, قال: فيجمع بين قولي الأئمة, ويجعل الخلاف في حال.
ونقول: العلم شرط في الإيمان, بمعنى أنّه مؤمن غير عاص, فيخرجه العلم عن العصيان؛ ويخرجه التقليد الموافق لأهل الحق, السالم من الارتياب والشكوك من الكفران. وبهذا الجمع قال جمهور المتأخرين, مع إطباقهم على وجوب المعرفة.
ولنرجع إلاالتقسيم الأول, فنقول: وأما من صدّق بقلبه ونطق بلسانه, ولم يعمل بجوارحه؛ فمذهب أهل السنة أنه مؤمن, غير أنه عاص بترك العمل متوعدا عليه بالعقوبة. فإن نفذ فيه الوعيد فلا بدّ أن يخرج من النار ويدخل الجنة بإيمانه. وهم في اشتراط العلم في ذلك والاجتزاء بالتقليد على ما سبق.
وقالت المعتزلة: من لم يعمل بجوارحه فليس بمؤمن, وهو مخلّد في النار. وهذا خلاف لأهل الحق أجمعين؛ إذ أجمعوا على الصلاة عليه وتوريثه وعدّه في سواد المؤمنين.
وقال بعضهم: ولم يشترط أحد من أهل السنة العمل شرطا في صحة الإيمان, وما ورد عن بعض أئمة أهل السنة في ذلك من القول بتكفير تارك الصلاة [1] وشبهها من أركان الإسلام؛ معناه جحد الوجوب لا أنّ نفس تركها كفر؛ لأنّ الكفر يضادّ الإيمان على المحلّ؛ والترك ليس بتكذيب, فلا يضادّ الإيمان. نعم قد يكون دليلا على التكذيب, فإقراره بوجوبها على هذا مجرّد كذب وإخبار بالشيء على خلاف ما هو به؛ ألا ترى أنّ ابن حبيب [2] قال:
(1) سقط من ب (عليه وتوريثه ... الصلاة)
(2) عبد الملك بن بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي الإلبيري القرطبي, أبو مروان. عالم الأندلس وفقيهها في عصره. أصله من طليطلة, وسكن قرطبة, وزار مصر. كان عالما بالتاريخ والأدب, رأسا في فقه المالكية, له تصانيف كثيرة. توفي سنة:238 هـ. (الأعلام:4/ 157) .