فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 137

أرشد الله تعالى العقول إلى معرفة ذلك, فقال: (إذًا لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عمّا يصفون) [المؤمنون:91] وقال: (لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا) [الأنبياء:22] فنبهك تعالى أنّ هذه الموجودات تشهد وتنادي بلسان حالها بوجوب انفراد خالقها بالوحدانية وصفات الألوهية؛ ولو قدّر عدد لزم منه فسادها وتلاشيها وعدم استمرار وجودها, وانقلاب الممكن محالا والواجب جائزا؛ ولأنّه لا عدد بأولى من عدد, فيلزم التخصيص, وعدد غير متناه محال, فالقول بالعدد باطل على كل تقدير. وبسط هذه الدلالات بالأمثلة يخرج عن المقصود, ولكن نذكر منها واحدا يستدل به على غيره.

قال الإمام أبو المعالي [1] : «لو قدّرنا اثنين, وفرضنا جسما أراد أحدهما تحريكه والآخر أراد تسكينه, فإمّا أن ينفذ ما أرادا معا, أو لا ينفذ, أو ينفذ [2] مراد أحدهما دون الآخر:

ـ ونفوذ إرادتهما معا يِؤدّي إلى اجتماع النقيضين, وهو محال.

ـ وعدم نفوذ ذلك يؤدّي إلى ارتفاع النقيضين.

ـ ونفوذ مراد أحدهما يلزم منه تعجيز الثاني, وإله عاجز محال.

فالإله واحد ضرورة.

ويلزم من تقدير الموافقة ما يلزم من تقدير المنازعة؛ لأنّ الموافقة إمّا اختيارية أو اضطرارية؛ والاختيارية حكم جائز فكما جاز أن يختار يجوز أن لا يختار, وتقدير [عدم] الاختيار محال, فيضطر إلى الاختيار فيلزم العجز قطعا, ويلزم من ذلك عموم تعلق قدرة الواحد الحق بجميع المقدورات لتساويها في معقولية الإمكان؛ ولأنّ العجز عن مقدور واحد عجز عن الكلّ والقدرة على كل

(1) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين. ولد سنة 429، وتوفي سنة 478 هـ. من مصنفاته في أصول الدين:"لشامل في أصول الدين، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (الأعلام 4/ 160) ."

(2) سقط من أ (أو ينفذ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت