فإذا تقرر هذا فالناس عالة على الصدر الأول. وإذا كان إطلاقهم هذا, فيتعيّن تفهمه بالتمثيل والبسط, إذ غلبت العجمة على القلوب حتى ظنّت أنّ هذا الإطلاق يلزم منه ثبوت الجهة في حق المنزّه عنها تعالى وتقدس.
فأما لفظ الفوقية فمشترك بين الحسّي والمعنوي, والقرينة تخصّص المراد منها؛ أو يكون من باب الحقيقة والمجاز, فهو حقيقة في الأجرام مجاز في المعاني. وكم من مجاز يترجّح على الحقيقة.
وأما العرش فهو اسم لكلّ ما علا وارتفع. والمراد به هنا مخلوق عظيم هو سقف الجنة, قال الله تعالى: (الله لا إله إلاّ هو ربّ العرش العظيم) [النمل:26]
وأما المجد فهو الشرف والرفعة.
فإذا تقرر هذا فمحمل «فوق» على الحسّ معلوم الاستحالة بالدلائل اليقينية, لتقدسه تعالى عن الجواهر والأجسام. ومعلوم ذلك من سياق كلام المصنف, بحيث لا يوهم على قارئه أنّه أراد الحسّ [1] .
فهو تعالى فوق العرش فوقية معنى وجلال وعظمة.
ثمّ الفوقية المعنوية من حيث هي فوقية, إمّا أن تكون واجبة بالذّات, أو مستفادة من حكم الغير لا ترجع لمعنى في الذات.
وفوقية كلّ من سوى الله تعالى لا ترجع لمعنى في الذات, وإنما ذلك بحكم الله تعالى وتشريفه, فهو تعالى وصف العرش بالمجد والعظم, وجعله أعظم المخلوقات.
وعلوّ الله ومجده ليس كعلوّ غيره, بل هو مخالف لكل المخلوقات مخالفة مطلقة؛ فمجده تعالى وعظمته وعلياؤه حكم واجب له بذاته, لا يشارك فيها. وسواء قلنا على هذا إنّ العرش نعت بالمجد, أو المجد خبر مبتدأ, فأراد المصنّف أن يبيّن أنّ ذلك العلوّ والمجد والجلال الذاتي ليس [2] إلاّ لله
(1) سقط من ب (ومعلوم ذلك ... الحس)
(2) سقط من أ (ليس)