فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 137

رب العالمين, كأنه يقول: هو العليّ المجيد بذاته, ليس ذلك مستفادا من غيره.

وإن قلنا «بذاته» متعلق بـ «فوق» , والمجد نعت للعرش؛ فكأنه يقول: هو فوق أعظم المخلوقات وأرفعها فوقية وعظمة وجلالا بذاته, لا بتشريف مشرّف ولا بتخصيص مخصّص, بل بذاته العليّة المقدّسة عن الاحتياج.

و «فوق» بمعنى «علا» مشهور, وهما لفظان مترادفان يستعمل أحدها في موضع الآخر.

وخصّ العرش بالذكر دون غيره من المخلوقات؛ لأنّه الذي ورد به الإطلاق الشرعي, ولأنّه من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى, فأراد أن يوفّق بين ما يجب اعتقاده وبين ما يصحّ إطلاقه.

واعلم أنّ الصيغ التي تطلق في هذا المعنى أربعة أقسام:

ـ فمنها ما يصحّ إطلاقا واعتقادا. ومثاله قوله: «وإنّه في كلّ مكان بعلمه»

ـ ومنها ما يمتنع إطلاقا واعتقادا. ومثاله أن تقول: إنّه في كل مكان بذاته.

ـ ومنها ما يصحّ إطلاقا, ويعتقد منه ما يجب من الكمال وينفي ما يؤدّي إلى المحال. ومثاله: «وأنّه فوق عرشه» .

ـ ومنها ما يمتنع إطلاقا, ويجوز اعتقادا بالمعنى الذي جوّزناه في قوله: «وأنّه فوق عرشه» . ومثاله أن تقول: إنّه فوق كرسيه.

واعلم أنّه لا نصّ في الشرع في محال؛ فكلّ ما ورد من ذلك فغايته أن يكون ظاهرا؛ فما ظاهره المحال فلا خلاف بين أهل السنة في طرح ذلك الظاهر؛ ثمّ ينظر فيما يحتمله ذلك اللفظ بعد الطرح, فإن احتمل واحدا تعيّن الحمل عليه, ولا خلاف بينهم في هذا أيضا, وإن احتمل أكثر من واحد فهنا اختلف السلف والخلف.

فجمهور السلف وقف في ذلك لأنّه صار من قبيل المجمل, ولا سبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت