أبوابها، وارتفعت فرشها ووضعت أكوابها، وبرزت الحور العين عروبها وأترابها [1] ، وقام للجلاد [2] على قدم الاجتهاد خطابها، فضربوا ببيض المشرفية [3] فوق الأعناق، واستعذبوا من المنية مر المذاق، وباعوا الحياة الفانية بالعيش الباق، فوردوا مورد الشهادة منهلا لم يظمئوا بعده أبدًا، وربحت تجارتهم فكانوا أسعد السعداء، وأولئك في صفقة بيعهم هم الرابحون: {فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون} [4] .
إليك اللهم نمد أكف الضراعة أن تجعلنا منهم، وأن لا تحيد [5] بنا عند قيام الساعة عنهم، وأن ترزقنا من فضلك شهادة ترضيك عنا، وغفرا للذنب الذي أثقل الظهر وعنا [6] ، وقبولا لنفوسنا إذا [7] عرضناها لك تفضلا منك ومنا، وحاشا كرمك أن نؤوب بالخيبة مما رجونا وأملنا، وأنت أرحم الراحمين.
ولما رأيت الجهاد في هذا الزمان قد درست [8] آثاره فلا ترى، وطمست أنواره بين الورى، وأعتم [9] ليله بعد أن كان مقمرا، وأظلم نهاره بعد أن كان نيرا، وذوى [10] غصنه بعد أن كان مورقا، وانطفأ حسنه بعد أن كان مشرقا، وقفلت أبوابه فلا تطرق، وأهملت أسبابه فلا ترمق، وصفنت [11] خيوله فلا تركض، وصمتت [12] طبوله فلا تنبض [13] ، وربضت [14] أسوده فلا تنهض، وامتدت أيدي الكفرة الأذلاء إلى المسلمين فلا تقبض، وأغمدت السيوف من أعداء الدين، إخلادا إلى حضيض [15] الدعة [16] والأمان، وخرس لسان النفير إليهم فصاح نفيرهم في أهل الإيمان، وآمت [17] عروس الشهادة إذ عدمت الخاطبين، وأهمل الناس الجهاد كأنهم ليسوا به مخاطبين، فلا نجد إلا من طوى بساط
(1) الأتراب: جمع ترب وهي اللدة والسن. القاموس مع التاج: 1/ 158.
(2) الجلاد: الأقوياء. القاموس: 1/ 283.
(3) المشرفية: السيوف. قال أبو عبيدة: نسبت إلى مشارف وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال سيف مشرفي ولا يقال: مشارفي، لأن الجمع لا ينسب إليه إذا كان بهذا الوزن الصحاح: 4/ 1380.
(4) اقتباس من سورة آل عمران: آية 170.
(5) حاد عن الشيء يحيد حيودا وحيدوده مال عنه وعدل، الصحاح: 2/ 467، (حيد) .
(6) عناه غيره تعنية، حبسه وأسره، الصحاح: 2/ 467.
(7) في (م) : إذ.
(8) درس الرسم دروسا: عفا، القاموس المحيط: 2/ 215، (درس) .
(9) أظلم. انظر الصحاح:5/ 1979.
(10) ذوي البقل بالفتح يذوي، أي: ذبل، الصحاح: 6/ 2347.
(11) في (ط) : صفت، وفي (ر) : صففت، الصافن من الخيل القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر. الصحاح للجوهري: 6/ 2152.
(12) في (ط) :صممت.
(13) نبض العرق ينبض نبضا ونبضانا أي: تحرك. الصحاح: 3/ 1107.
(14) ربوض الغنم والبقر والفرس مثل بروك الإبل وجثوم الطير. الصحاح: 3/ 1076.
(15) القرار من الأرض عند منقطع الجبل. الصحاح: 3/ 1071.
(16) الدعة الخفض، والهاء عوض من الواو، ودع الرجل بالضم فهو وديع، أي: ساكن ووادع أيضا. الصحاح: 3/ 1295.
(17) أي: صارت أيِّما. الصحاح: 5/ 1868.