عساكر [1] ، فظللت نحو اثنتي عشرة سنة أتطلبه وأسال عنه وأتلهف على أن أقف على شيء منه، إلى أن وقع لي مفرقا في مجلدين، فوجدته مما ينبغي أن يتناول باليدين وأن يكتب دون المداد بالعسجد واللجين [2] ، إذ هو في هذا الشأن أجمع كتاب صنف وأرفع مجموع في هذا الباب ألف، غير أنه طال بكثرة أسانيده وطرقه وأبوابه وإعادة الحديث باللفظ الواحد عن جماعة من الصحابة وذكر أبواب الأليق بها كتب الأحكام، وأحاديث ليس لطالب الآخرة بها كبير اهتمام، فنظرت بعين تحقيق الاعتبار أنه يرجع إلى نحو خمسه عند الاختصار مع أنه رحمه الله أهمل كثيرا مما في هذا الكتاب، ولم يبين صحيح أحاديثه من عليلها وهو لب اللباب، ولم يشرح ألفاظه الغريبة ليزول الارتياب، ولم يزد على الإسناد والمتن شيئا إلا نادرا في ضمن باب.
فاخترت منه ما لم أره في الكتب المذكورة ما ينبغي أن يختار، وأضربت [3] عما هو مذكور فيها إيثارا للاختصار. ولم آل جهدا [4] في تهذيب هذا الكتاب وتبويبه ونظم كل حديث في سلك مماثله وقريبه، وشرح ما في كل حديث من مشكله [5] وغريبه [6] ، وتمييز صحيح الحديث غالبا من ضعيفه وغريبه [7] ، وذكر حكم يجب على المجاهد أن يفهمه ويعتني به، واكتفيت بتعليق الأسانيد عن نقلها وربما اغتنيت بيسير طلها عن غزير وبلها [8] ، مع أن فهمي قاصر وباعي قصير، وعزمي متقاصر وجناحي كسير، وهمي متكاثر وشغلي كثير، وعجزي ظاهر ومالي ظهير [9] ، لكن الرب سبحانه عند القلوب المنكسرة وإذا رجاه المقصر ستر ر وصمه [10] وجبره، وهو حسبي وكفى. وسميته:
مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق، ومثير الغرام إلى دار السلام
ورتبته على ثلاثة وثلاثين بابا وخاتمة.
(1) القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، الحافظ المحدث الفاضل بهاء الدين أبو محمد بن عساكر الدمشقي، ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة ومات سنة ستمائة. تذكرة الحفاظ: 4/ 1367 - 1369.
(2) العسجد: الذهب. الصحاح: 2/ 508، (عسجد) .
اللجين: على صورة المصغر: الفضة، اهـ. المعجم الوسيط: 2/ 823.
(3) أي: أعرضت. المعجم الوسيط: 1/ 538.
(4) الجَهْد والجُهْد: الطاقة والجهد المشقة. الصحاح: 2/ 465، (جهد) ، والمراد هنا الأول.
(5) المشكل: الأمر المشتبه. لسان العرب: 13/ 380.
(6) الغريب: قال الخطابي رحمه الله: والغريب من الكلام يقال به على وجهين، أحدهما: أن يراد به بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر. والوجه الآخر يراد به كلام من بعدت به الدار، ونأى به المحل من شواذ قبائل العرب فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم، اهـ. غريب الحديث: 1/ 71، تحقيق عبد الكريم إبراهيم الغرباوي.
(7) الغريب هنا الضعيف لمقابلته بالصحيح، ولأن الغرابة الغالب عليها الضعف.
(8) الطل: أضعف المطر، اهـ. الصحاح: 5/ 1752، (طل) . الوابل المطر الشديد، الصحاح:5/ 1840، (وبل) .
(9) الظهير: المعين، اهـ. الصحاح: 2/ 1 73، (ظهر) .
(10) والوصم: العيب والعار. الصحاح:5/ 2052، (وصم) .