فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 321

383 -وقد روى غير واحد عن السيد الجليل القاسم [1] بن مخيمرة التابعي أنه قال: اللهلكة، ترك النفقة في سبيل اللّه، ولو حمل الرجل على عشرة آلاف لم يكن بذلك بأس، وروى هذا عن غيره أيضا، والله أعلم.

فصل

الإنفاق في سبيل اللّه على نفسه ودابته وعلى غيره من الغزاة في ثمن سلاح وعدة ومركوب، أو ما يحتاجون إليه من قوتهم ونفقة عيالهم في مدة غزوهم، ونحو ذلك، هو من أعلى الطاعات، وأعظم القربات، وأجل الصدقات، ولا يجتهد الشيطان في منع شيء من الإنفاق، كاجتهاده في منع النفقة في سبيل اللّه تعالى، لما يعلم فيها من عظيم الأجر، وجزيل الثواب، ونيل الدرجات العلا في إخراجها، والوزر العظيم في البخل بها، ويساعده على ذلك شح النفس، وعدم الاعتياد، وجهل ما فيها من الفضل الذي لا يحصى، سيما [2] في زماننا الذي قد اندرست فيه معالم الجهاد، وعفت رسومه، وعدم وجوده في بلادنا، وندر على الوجه المرضي في غيرها، ولا قوة إلا باللّه، فلا سبيل إلى إخراج شيء من النفقة في سبيل اللّه، إلا بتأييد من اللّه القوي العزيز، على العدو اللعين، فإنه يعد الفقر ويأمر بالفحشاء، وأصدق القائلين يقول: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [3] .

وقد يقوى الإنسان على الشيطان في خروجه إلى الجهاد في سبيل اللّه، ولا يقوى عليه في سعة الإنفاق مع القدرة، لما يوسوسه إليه من أنك إذا رجعت من جهادك، لا تجد لك مالا، وقد يحصل لك جراح، أو نهب، أو مرض، فترجع فقيرا ليس معك شيء، ولا لك مال تعول عليه، فاترك مالك إلى أن ترجع، واجتهد على توفير النفقة ما أمكنك، ونحو هذا الكلام، وإنما يسكن إلى هذه الوسوسة، من كان عنده دسيسة باطنة لا يشعر بها من حب الرجوع إلى الدنيا، وكراهة القتل في اللّه، والبخل ببذل النفس في سبيل اللّه، إذ لو كان يصمم العزم على طلب الشهادة صادقا في قصدها، لما تفكر في أحوال رجوعه، إذ لا يحدث نفسه بالرجوع أبدا، ولهذا كان السلف يكسرون جفون سيوفهم عند اللقاء، ويلقونها لغلبة ظنهم أنهم لا يرجعون، لما استولى على قلوبهم من حب الشهادة والشوق إلى لقاء اللّه، ورجاء الفوز العظيم بالقتل في سبيل اللّه.

وقد حكي عن بعض السلف أنه خرج مجاهدا حتى إذا تراء ا - أي الجمعان - وصف الفريقان، جاء إليه الشيطان، فذكره زوجته وحسنها، وجمالها، وحبّبها إلى قلبه، وكره إليه فراقها، وذكره سعة عيشه، وكثرة ماله، ونحو ذلك، حتى كاد يجبن عن اللقاء ويهتم بالفرار، فأتاه التأييد الإلهي، من القوي المتين، فقال: يا نفس إن فررت

(1) القاسم بن مخيمرة بالمعجمة مصغرا، أبو عروة الهمداني بالسكون، الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة مائة، خت م ع. التقريب: ص 280.

(2) قال جماعة من النحويين: واستعمال (سيما) بلا (لا) لا نظير له في كلام العرب العرباء، قال العلامة دده خليفة: وقد يحذف منه كلمة (لا) مع أنها مرادة، ولهذا لا يختلف المعنى. انظر: حاشية دده: ص 117.

(3) سورة سبأ: آية 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت