فزوجتي طالق، وعبيدي وإمائي أحرار، وجميع ما أملكه صدقة للفقراء والمساكين، أيطيب لك عيش مع الفقر وفراق الزوجة؟ فقالت له نفسه: لا أحب الرجوع إذا قال: فتقدمي.
وقد يوسوس لك أنك تقتل، فيبقى ولدك بعدك فقيرا، وعيالك محتاجين فاترك مالك لهم ولا تنفقه، وبكفي بفقدهم لك مصيبة، وهذه الوسوسة إنما يقبلها من لم يكن عنده ثقة باللّه، واشتمل باطنه على دسيسة من الشك في الإيمان بكفالة اللّه رزق العباد، وتدبير مصالحهم، وإلا فمن شهد أنه واسطة بين اللّه وبين أهله وعياله في وصول الرزق إليهم على يده، وأنه لا يملك لهم، بل ولا لنفسه مثقال ذرة، لم يهتم بأرزاقهم في حياته ولا مماته، كما نقل عن حاتم الأصم [1] ، أنه أراد سفرا، فقال لزوجته: كم يكفيك ويكفي أولادك حتى أقدره لك قبل سفري، فقالت: يا حاتم، والله ما عددتك رزاقا، بل عددتك أكالا، سر حيث شئت.
384 -وقد روي أن أفضل السابقين وأشرف هذه الأمة م جمعين، سيدنا أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه، جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بجميع ماله، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما تركت لأهلك"؟ قال: اللّه ورسوله.
385 -وكذلك كانت ابنته أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها تفعل، فإنه جاءها من معاوية مائة ألف، ففرقتها ولم تبق منها درهما، فقالت لها الخادم: لو تركت لنا درهما نشتري به لحما، فقالت: لو ذكرتني لفعلت.
386 -وقال سعيد بن عبد العزيز قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار. ذكره ابن الذهبي الحافظ في تاريخه، ومن أصله بخطه نقلت. وأخبار السلف في الإنفاق وعدم الادخار كثيرة يطول هذا الباب باستيفاء بعضها.
387 -وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدخر شيئا لغد. رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس.
388 -وروى الطبراني في الصغير والأوسط بإسناده، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"نشر اللّه [2] عبدين من عباده أكثر لهما من المال والولد، فقال لأحدهما: أي فلان بن فلان قال: لبيك رب وسعديك قال: ألم أكثر لك من المال والولد، قال: بلى أي رب، قال: وكيف صنعت فيما آتيتك؟ قال: تركته"
(1) أبو عبد الرحمن، حاتم بن علوان، ويقال: حاتم بن يوسف الأصم، من أكابر مشايخ خراسان، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. انظر الرسالة القشيرية: 1/ 99 - 100. ت د. عبد الحليم محمود، ومحمودين الشريف؟ وطبقات الأولياء لابن الملقن: ص 178.
384 -رواه الدارمي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمعت عمر، قال: أمرنا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول اللّه!: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، قال: فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: يا أبا بكر! ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم اللّه ورسوله، فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا، انتهى. سنن الدارمي، كتاب الزكاة، باب الرجل يتصدق بجميع ماله: 1/ 1 39 - 2 39.
(2) 385 - رواه الحاكم في المستدرك: 4/ 13، وسكت عنه الحاكم والذهبي وأبو نعيم في الحلية: 7/ 2 4. وصححه الذهبي في سير أعلام النبلاء: 2/ 186 - 187.
386 -قال الذهبي: هذه رواية منقطعة. سيرأعلام النبلاء: 2/ 186.
387 -موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، كتاب الزهد، باب ما جاء في التوكل، ص 633.
388 -المعجم الصغير: 1/ 215 - 216، وفيه يوسف بن السفر أبو الفيض، ذكره الدارقطي في المتروكين. انظر: الضعفاء والمتروكون: ص 402.
في المعجم: نشد اللّه بالدال.