وهي جائزة بالاتفاق، فإن طلبها كافر استحب الخروج إليه، وابتداؤها ليس بمستحب ولا مكروه على الصحيح من مذهب الشافعي، وإنما تحسن ممن جرب نفسه، وعرف قوته، وتكره لضعيف لا يثق بنفسه، وقيل تحرم، وإنما تسن بإذن الأمير والصحيح جوازها بغير إذنه.
قال الإمام أبو بكر بن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمرء أن يبارز ويدعو إلى البراز بإذن الإمام غير الحسن البصري، فإنه كان يكره المبارزة ولا يعرفها. واختلفوا في البراز بغير إذن الإمام، فكرهت طائفة أن يبارز المرء إلا بإذن الإمام، كذلك قال الثوري وأحمد بن حنبل وإسحق، واختلف فيه عن الأوزاعي، وأباحت طائفة البراز، ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه.
سئل مالك عن الذي يقول بين الصفين من يبارز؟ فقال: ذاك إلى نيته، إن كان يريد بذلك الله فأرجو أن لا يكون به بأس، وقد كان يفعل ذلك فيما مضى.
وقال الشافعي: لا بأس بالمبارزة [1] . قال ابن المنذر: المبارزة بإذن الإمام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه، انتهى.
قال المؤلف عفا الله عنه: المبارزة في الحرب، وإجابة من دعا إلى البراز لم تزل سنة الأبطال، وشعار الشجعان، وفخارهم في الجاهلية والإسلام.
961 -وقد روى الطبراني بإسناد لا بأس به، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحث أصحابه على المبارزة.
وقد بارز الصحابة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمره، وكذلك في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولم يزل الناس على ذلك، ولو ذهبنا نستقصي أخبارهم في المبارزة لخرجنا عن المقصود.
وقد صح عن البراء بن مالك رضي اللّه عنه أنه قتل مائة مبارز، كما تقدم [2] .
962 -وقد بارز يوم الخندق علي رضي اللّه عنه عمرو بن عبدود على ما ذكره ابن اسحق وغيره، لأنه خرج ونادى من يبارز؟ فقام علي وهو مقنع بالحديد، فقال: أنا له يا نبي اللّه، فقال:"إنه عمرو اجلس إ، فنادى عمرو ألا رجل، وهو يؤنبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أفلا يبرز إلي رجل؟ فقام علي رضي اللّه عنه فقال: أنا له يا رسول اللّه، فقال:"اجلس"ثم نادى الثالثة، وقال:"
ولقد بححت [3] من النداء بجمعكم هل من مبارز
(1) مختصر المزني: 8/ 274، المطبوع في آخر الأم، دار المعرفة، بيروت.
961 -قال الهيثمي: وفيه رشدين بن سعد. وهو ضعيف، انتهى. مجمع الزوائد: 5/ 328.
(2) تقدم برقم: 888، 890.
962 -ذكره ابن هشام في سيرته، انظر: الروض الأنف: 2/ 191 - 192.
(3) البحة بالضم، غلظة في الصوت، انتهى، النهاية: 1/ 99.