على ظنه أنه يقتل، ولكن سينكي نكاية أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا، ولما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحجفة وألقوني إليهم ففعلوا، فقاتلهم وحده وفتح الباب" [1] ."
959 -قال القرطبي: ومن هذا: ما روي، أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن قتلت في سبيل اللّه صابرا محتسبا؟ قال:"فلك الجنة"، فانغمس في العدو حتى قتل.
960 -وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك، أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: كل ت يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] :"ما أنصفنا أصحابنا"، هكذا الرواية: أنصفنا [3] أصحابنا وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ويرجع إلى من فرعنه من أصحابه.
وقال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين، وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، لأن فيه نفعا للمسلمين على بعض الوجوه، فإن كان قصده إرهاب العدو ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه (و) [4] إذا كان فيه نفع للمسلمين، فتلفت النفس [5] لإعزاز دين اللّه وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح اللّه به المؤمنين في قوله: {إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} [6] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح اللّه بها من بذل نفسه، وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتهى كلام ا لقرطبي [7] .
قال المؤلف عفا اللّه عنه: وقد تقدم من الأدلة في ذلك ما في بعضه كفاية، واللّه ولي التوفيق.
(1) تفسير القرطبي: 2/ 363، 4 36، والرجل المشار إليه هو: البراء بن مالك، تقدم برقم: 945.
959 -رواه البخاري، من حديث جابر بن عبد الله رضي اللّه عنه، بلفظ قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: أرأيت إن قتلت، فأين أنا؟ قال:"في الجنة"، فألقى تمرات في يده، ثم قاتل، حتى قتل. انظر: الفتح: رقم 4046، كتاب المغازي، باب غزوة أحد: 7/ 354. قال الحافظ رحمه الله: لم أقف على اسمه.
(2) في مسلم: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لصاحبيه".
960 -مسلم: رقم 1789، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد: 5/ 1413.
(3) في تفسير القرطبي:"أنصفنا"بسكون الفاء"أصبحنا"بفتح الباء، أي: لم ندلهم للقتال حتى قتلوا، وروي بفتح الفاء. . . الخ. وقال النووي رحمه اللّه: الرواية المشهورة فيه،"ما أنصفنا"، بإسكان الفاء، وأصحابنا منصوب مفعول به، هكذا ضبطه جماهير العلماء من المتقدمين والمتأخرين، ومعناه: ما أنصفت قريش الأنصار، لكون القرشيين لم يخرجوا للقتال، بل خرجت الأنصار واحدا بعد واحد، وذكر القاضي وغيره: أن بعضهم رواه ما أنصفنا بفتح الفاء، والمراد على هذا الذين فروا من القتال، فإنهم لم ينصفوا لفرارهم، انتهى. شرح مسلم: 2/ 147، 148.
(4) الواو من القرطبي و (ع) و (م) .
(5) في القرطبي: نفسه.
(6) سورة التوبة: آية 111.
(7) الجامع لأحكام القرآن: 2/ 364.