لا يقتل حتى يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتكسر بذلك شوكتهم، انتهى [1] .
وقال الرافعي والنووي وغيرهما: التغرير بالنفس في الجهاد جائز، ونقل في شرح مسلم الاتفاق عليه، ذكره في غزوة ذي قرد [2] .
وقال في قصة عمير بن الحمام حين أخرج التمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل. قال النووي: فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء، انتهى [3] .
وقال البيهقي في سننه: باب من تبرع بالتعرض للقتل.
958 -قال الشافعي رحمه الله تعالى: قد بورز بين يدي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، وحمل رجل من الأنصار حاسرا على جماعة المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه بما في ذلك من الخير فقتل.
قال البيهقي: هو عوف بن عفراء، ذكره ابن إسحق، ثم ذكر في الباب قصة عمير بن الحمام، وأنس بن النضر وغير ذلك.
وقال أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره:"اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد [4] وعبد الملك [5] من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة وكان للّه بنية خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من اللهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللّه} [6] ."
وقال ابن خوايز منداد [7] : فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب
(1) إتحاف السادة المتقين في شرح أسرار إحياء علوم الدين: 7/ 26.
(2) شرح النووي على مسلم: 12/ 187.
(3) شرح النووي على مسلم، ثبوت الجنة للشهيد: 13/ 46، المطبعة المصرية ومكتبتها.
958 -السنن الكبرى: 9/ 43 - 44.
(4) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومائة على الصحيح، ع. التقريب: ص 279.
(5) لم يتبين لي من عبد الملك هذا.
(6) سورة البقرة: آية 207.
(7) هو أبو عبد اللّه، محمد بن أحمد، بن عبد اللّه، بن خويز منداد، الإمام العالم، أخذ عن أبي الأبهر وغيره، ولم أقف على وفاته، انتهى. شجرة النور الزكية: ص 103. وشيخه الأبهري، توفي سنة 395 هـ.