لولدي مخافة العيلة، قال: أما إنك لو تعلم العلم لضحكت قليلا ولبكيت كثيرا، أما إن الذي تخوفت عليهم قد أنزلت بهم، ويقول للآخر: أي فلان ابن فلان، فيقول: لبيك أي رب وسعديك، قال: ألم أكثر لك من المال والولد؟ قال بلى: أي رب، قال: فكيف صنعت فيما آتيتك؟ قال: أنفقت في طاعتك، ووثقت لولدي من بعدي بحسن طَوْلِك [1] ، قال: أما إنك لو تعلم العلم لضحكت كثيرا ولبكيت قليلا، أما إن الذي وثقت به قد أنزلت بهم"."
العيلة: بفتح العين المهملة وسكون الياء هو: الفقر والاحتياج.
والطول: بفتح الطاء هو: الفضل والقدرة والغنى.
وقد اتفق مثل هذا لعمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين رضي اللّه عنه، فإنه لما حضرته الوفاة أحضر بنيه وهم أحد عشر ذكرا، وأمر أن يجهز مما يخلف، ثم تعطى زوجته ما يخصها، وما بقي يفرق على بنيه، فناب كل ابن دينار، فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين لو وكلت أمرهم إلي؟ فقال: إن بنيي أحد رجلين، إن يكونوا صالحين، فاللّه يتولى الصالحين، أو غير ذلك فلا أعينهم على معصية اللّه تعالى، ولقد جهز بعد موته أحد بنيه مائة فارس، على مائة فرس في سبيل اللّه، وأما مسلمة فإنه لما مات ناب كل ولد أحد عشر ألف دينار، ولقد رئي أحد بنيه يقد في أتون [2] الحمام. ذكر هذه الحكاية منهم القرطبي في تاريخه وغيره.
389 -وروى البزار بإسناد حسن عن ابن عباس، عن أبي ذر رضي اللّه عنهم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يا أبا ذر ما أحب أن لي أحدا ذهبا وفضة أنفقه في سبيل اللّه، أموت يوم أموت أدع منه قيراطا"، قلت: يا رسول اللّه قنطارا قال:"يا أبا ذر أذهب إلى الأقل وتذهب إلى الأكثر أريد الآخرة وتريد الدنيا قيراطا"، فأعادها علي ثلاث مرات، وقد روي معناه عن أبي ذر غير واحد من الأئمة في الصحاح وغيرها.
390 -وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي اللّه عنه، قال: انتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال:"هم الأخسرون ورب الكعبة"، قال: فجئت حتى جلست فلم أَتَقَارَّ [3] أن قمت فقلت: يا رسول اللّه فداك أبي وأمي من هم؟ قال:"هم الأكثرون أموالا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله {وقليل ما هم} [4] ا لحديث."
(1) في المعجم الصغير: بحسن عدلك.
(2) الأتون: بالتشديد الموقد، والعامة تخففه، انتهى. مختار الصحاح: ص 4.
389 -وقال الهيثمي: إسناده حسن، مجمع الزوائد، كتاب الزهد باب في الإنفاق والإمساك: 10/ 239. ولم أجده في كشف الأستار.
390 -متفق عليه، مسلم: رقم 990، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة: 2/ 686، وتمام الحديث:"ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها. كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس".
-... ورواه البخاري: رقم 6638، كتاب الأيمان، باب كيف كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم: 11/ 254؛ وبنحوه في كتاب الرقاق: 11/ 260.
-... - ورواه أحمد في المسند: 5/ 152 و 158 و 169.
(3) أي: لم يمكني القرار والثبات، انتهى. شرح النووي: 7/ 73.
(4) مقتبس من سورة ص: آية 24.
392 -موارد الظمآن، كتاب الزكاة، باب في الكثيرين: ص 206 و 207.