وقيل: هوما بين أن تضع يدك على الضرع وقت الحلب وترفعها.
قال المؤلف: وعلى هذا فيكون من باب المبالغة في التحريض على القتال والترغيب فيه لا من باب إرادة حقيقة اللفظ، وهذا،
100 -كقوله - صلى الله عليه وسلم:"من بنى للّه مسجدا ولو كمفحص [1] قطاة [2] بنى الله له بيتا في الجنة". ومحال أن يسع مفحص القطاة آدميا يصلي فيه، وقال ابن حبيب [3] فيما حكاه عن ابن رشد [4] في مقدماته: هو قدر ما تحلب فيه [5] . وعلى هذا يكون المراد حقيقة اللفظ وهو أحسن.
وفي هذا الحديث أدل دليل على ما تقدم من أن الجهاد والتصدي له أفضل من العزلة للعبادة، واللّه أعلم.
يا هذا، ليت شعري من يقوم مقام هذا الصحابي في عزلته وعبادته وطيب مطعمه، ومع هذا فقد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، وأرشده إلى الجهاد فكيف لواحد منا أن يتركه مع أعمال لا يوثق بها مع قلتها وخطايا لا ينجى معها لكثرتها، وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه، ونفوس جامحة [6] إلا عما نهيت عنه ومآكل حكم حلها عند (رازقها) [7] ، وخواطر علم أصلها عند خالقها، ونياب لا يتحقق إخلاصها، وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها، ثم النظر في خواتم الأعمال، مجال الخطر وعظائم الأوجال، فالسعيد من وفقه اللّه للجهاد ويسره عليه، والشقي من جبن فغبن وظهر الخسران عليه، اللهم يسر علينا الجهاد ويسرنا له، واجعلنا بفضلك ممن رام أمرا فناله، وقرنت بالتوفيق أحواله وأفعاله، إنك قريب مجيب.
101 -وعن عسعس بن سلامة [8] ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ففقد رجلا من أصحابه فقال: أردت أن أخلو بجبل وأتعبد، قال: فلا تفعله ولا يفعله أحدكم فلصبر ساعة في بعض مواطن الإسلام أفضل من عبادة أربعين سنة خاليا. خرَّجه البيهقي في الشعب، وابن عساكر وقال: غريب.
وقال عبد الله بن محمد قاضي نصيبين [9] : حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى علي عبد اللّه بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس [10] ، وأرسلها معي إلى مكة إلى الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين مائة وهي:
(1) المفحص: بفتح الميم والحاء موضع تبيض فيه القطاة. المصباح: ص 463.
(2) القطاة: واحدة القطا، وهي ضرب من الحمام. انظر: المصباح: ص 510.
(3) أبو مروان عبد الملك بن حبيب السلمي، القرطبي البيري، الفقيه، الأديب الثقة المتفنن الإمام في الحديث، والفقه، واللغة، والنحو، مات سنة 238، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: ص 74 - 75.
(4) القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، الإمام العالم المحقق، توفي سنة عشرين وخمس مائة هـ. شجرة النور الزكية: ص 129.
(5) المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات: 1/ 276، ط الأولى بمطبعة السعادة بمصر.
(6) جَمُحَ الفرس جمحا وجموحا وجِماحا: عتا عن أمر صاحبه حتى غلبه وهي جامحة. المعجم الوسيط: 1/ 133.
(7) هذه من نسخة (ر) .
(8) عسعس بن سلامة البصري التميمي يقولون: إن حديثه مرسل وإنه لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكنيته أبو صفرة.
وقال الحافظ: وقال ابن منده: ذكر في الصحابة ولا يثبت، وقد روى حديثه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن الأزرق، عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"صبر ساعة في بعض المواطن خير من عبادة أربعين عاما". الحديث. انظر: الاستيعاب على هامش الإصابة: 3/ 1 8 1، والإصابة: 2/ 0 48.
(9) نصيبين: بالفتح ثم الكسر، ثم ياء علامة الجمع الصحيح، وهي مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام. معجم البلدان: 5/ 288.
(10) طرسوس، بفتح أوله وثانية وسينين مهملتين، بينهما واو ساكنة بوزن قربوس كلمة عجمية، رومية، ولا يجوز سكون الراء، إلا في ضرورة الشعر، لأن فعلول ليس من أبنيتهم، وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب. معجم البلدان: 4/ 28.