ويحتمل أن الرهبانية لما كانت عبارة عن اعتزال الخلق والفرار منهم والإقامة في قلل [1] الجبال وفي الصوامع بمهامه القفار، ومجاهدة للنفس في ترك شهواتها وبعدها عن مواطن مألوفاتها، وتحميلها ما يشق من الأفعال رهبة من اللّه وخوفا من عقابه كان الجهاد أيضا رهبانية، لأنه عبارة عن تعريض النفس لأنواع المكاره وبذلها في سبل [2] المتالف وتسليمها لمشتريها من غير مماطلة بها رهبة من اللّه وخوفا منه.
وأقرب مما تقدم أن يقال: لما كانت الرهبانية عبارة عن تحمل أشق ما يكون على النفس سمي الجهاد أيضا رهبانية، لأنه بذل النفس والمال وهو أشق ما يكون، وشتان بين من يجاهد نفسه مع حياتها وتناول بعض ملذوذاتها، وبين من عرضها لأعظم مكروهاتها، وحرص على فنائها وإن كان سبب بقائها وحياتها، اللهم ارزقنا ذلك بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين.
130 -وروى ابن المبارك، عن ابن لهيعة [3] ، أخبرني عمارة ابن غزية [4] ، أن السياحة ذكرت عند رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"أبدلنا اللّه بذلك الجهاد في سبيل اللّه والتكبير على كل شرف". وهذا مرسل، ولا بأس بابن لهيعة في المتابعات.
131 -وعن أبي أمامة رضي اللّه عنه، أن رجلا استأذن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في السياحة فقال:"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللّه عز وجل"، رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي في السنن، كلهم من طريق القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وذكره الحافظ عبد الحق الإشبيلي [5] في أحكامه وصححه أيضا [6] .
(1) القلل جمع قلة وهي أعلى الجبل، وقلة كل شيء أعلاه. انظر: الصحاح: 5/ 1804.
(2) في (ر) و (ع) :سبيل.
130 -الجهاد: 1/ 68. ويشهد لهذا المرسل الحديث التالي.
(3) عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب أعدل من غيرهما، مات سنة أربع وسبعين. وقد ناف على الثمانين، م دت ق. تقريب التهذيب: ص 186.
وقال ابن القيم رحمه اللّه: وحديث ابن لهيعة يحتج منه بما روي عنه العبادلة كعبد اللّه ابن وهب وعبد اللّه بن المبارك وعبد اللّه بن يزيد المقرئ، قال أبو زرعة: ابن لهيعة كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله، وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك وابن المقرئ أصح ممن كتب بعد احتراقها، انتهى. أعلام الموقعين: 2/ 441.
(4) عمارة بن غزية: عمارة بضم أوله والتخفيف ابن غزية بفتح المعجمة وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة، ابن الحارث الأنصاري المازتي المدني، لا بأس به، وروايته عن أنس مرسلة، من السادسة، خت م 4. تقريب التهذيب: ص 251.
131 -سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في النهي عن السياحة، 3/ 12، وسنده حسن.
-المستدرك: 2/ 73، ووافقه الذهبي.
-السنن الكبرى، كتاب السير، باب فضل الجهاد في سبيل الله: 9/ 161.
(5) عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين الحافظ العلامة أبو محمد الأزدي، الإشبيلي ويعرف أيضا بابن الخراط، وتوفي سنة إحدى وثمانين وفي مائة. انظر: تذكرة الحفاظ: 4/ 1350 - 1351.
(6) الأحكام الكبرى: 3/ 76، مخطوط ولم أجد تصحيحه فيه، ولعله في أحكامه ا لأخرى.
132 -المستدرك: 2/ 76. ووافقه الذهبي.
-مسند أحمد: 5/ 231، وفيه عاصم بن بهدلة، قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام، ومن طريق شهر بن حوشب:5/ 245 - 46 2. - والترمذي، أبواب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة: 4/ 124 - 125، من طريق عاصم بن بهدلة.
-وابن ماجه رقم 3973، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة: 4/ 1312 - 1315 من هذا الطريق نفسه.
-كشف الأستار، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد: 2/ 258 - 0 26.
-وقال الهيثمي: رواه أحمد، والبزار، والطبراني باختصار، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد يحسن حديثه. مجمع الزوائد: 5/ 273 و 4 27.
133 -هذا الحديث مكرر وقد مر برقم: 93.
134 -ضعيف وفيه علتان: الأولى: ضعف علي بن يزيد الهاني كما تقدم. والثانية: أن القاسم بن عبد الرحمن مختلف في سماعه من الصحابة غير أبي أمامة رضي الله عنه، حتى وصفه ابن حبان بأنه يروي عن أصحاب رسول الله المعضلات.