فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 170

وفي المقطع الثالث يعود الشاعر إلى الرجز مرة ثانية لأن مايراه الشاعر الآن ليس فقط (( الخواء والجدب والشحوب) بل الموت والعقم وهما لاشك- إلى جانب الدم المسفوح في كل مكان- أعلى مرتبة من الخواء والشحوب:

الموتُ في الشوارعْ

والعقم في المزارعْ

وكل مانحبه يموتْ

الماء قيّدوه في البيوتْ

وألهثَ الجداولَ الجفافْ

هم التتار أقبلوا، ففي المدى رُعافْ

وشمسُنا دم، وزادْنا دمٌ على الصحافْ

محمد اليتيمُ أحرقوه فالمساءْ

يُضيء من حريقهِ، وفارت الدماءْ

من قدميه، من يديه، من عيونهِ

وأحرق الإله في جفونهِ

محمدُ النبيُّ في (( حراء ) )قيدوهْ

فسُمِّر النهارُ حيث سمروهْ

غدًا سيُصلب المسيحُ في العراقْ

ستأكل الكلاب من دمِ البراقْ [1]

الرجز هنا يمنح الموضوع كامل موسيقاه، فالموت الذي حاق بالحياة، والدم المنبجس من الشمس، والطعام، والرعب الذي مبعثه حرق الرمز الأكبر (محمد) والخوف من مصير الرمز الآخر (المسيح) في غد، كل ذلك يدفع الشاعر إلى الولولة، والصراخ، والإعلان عن النهاية الفاجعة. وأظن أن الرجز بديناميته الحركية، وخفته، وحساسيته قد استطاع أن يتوافر على كل تلك العينات من الرعب، والموت، والعقم وليس الموسيقى وحدها قد استجابت للموضوع بل إن اللغة أيضًا كانت حاضرة.

وفي المقطع الرابع يستمر الشاعر مع موسيقى الرجز لأن الموضوع استمرار لما هو عليه في المقطع السابق: شيء من الصراخ، وشيء من الولولة، وشيء

(1) نفسه، 1/ 467 - 468

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت